هناك أيام يمر بها الإنسان، يشعر فيها أن البلاء لا يأتيه من باب واحد؛ كلما ظن أن الأمر انتهى، بدأ ابتلاء آخر. يحل مشكلة فتظهر أخرى، ويبحث عن مخرج فلا يرى إلا مزيدًا من الضيق، حتى يصل إلى لحظة لا يسأل فيها: كيف أنجو؟ بل يقول في نفسه: هل بقي أصلًا طريق للنجاة؟
هذا الشعور عاشه المسلمون يوم الخندق، ولعلها كانت من أشد الأيام التي مرت على النبي ﷺ وأصحابه. لكن العجيب أن أعظم نصر في تلك الغزوة لم يأتِ عندما كثرت الأسباب، بل جاء بعدما بدا أن كل الأسباب قد انتهت.
بدأت القصة قبل الخندق بسنوات، بعد أن نقض يهود بني النضير عهدهم مع النبي ﷺ وأُخرجوا من المدينة إلى خيبر. وكان يمكن أن تنتهي القصة عند هذا الحد، لكنهم لم يرضوا أن يتركوا المسلمين يعيشون بأمان، فأخذوا يتنقلون بين القبائل يحرّضونها ويجمعونها على قتال المسلمين، ويقولون لهم: إن تركتم محمدًا اليوم فلن تستطيعوا الوقوف في وجهه غدًا.
وكانت كلماتهم تجد آذانًا تسمع؛ فخرجت قريش بكل ما تملك، ثم خرجت غطفان، ثم لحقت بهما قبائل أخرى، وكان الخبر كل يوم يحمل اسم قبيلة جديدة انضمت لهذا التحالف، حتى صار الجيش أكثر من عشرة آلاف مقاتل، بينما لم يكن في المدينة إلا ثلاثة آلاف مسلم.
كان الفارق في العدد وحده كافيًا ليزرع الخوف في القلوب، ولما بلغ الخبر رسول الله ﷺ لم يجزع ولم يتصرف بعجلة، بل جمع أصحابه يستشيرهم.
عندها قام سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال:
كانت فكرة لم تعرفها العرب من قبل، فأعجب بها النبي ﷺ وأمر بحفر الخندق.
ومنذ ذلك اليوم امتلأت أطراف المدينة بالرجال وهم يحفرون، وكان النبي ﷺ بينهم يحمل التراب على كتفيه ويضرب بالمِعول (أداة حديدية ثقيلة تُستخدم للحفر وتكسير الصخور) كما يضربون، حتى غطى الغبار جسده الشريف وهو يردد:
ومرت الأيام، واشتد البرد، واشتد الجوع.
لم يكن جوعًا عابرًا، بل جوعًا أنهك الأجساد حتى اضطر بعض الصحابة إلى ربط الحجارة على بطونهم من شدة الألم. فلما رأوا النبي ﷺ وشكوا إليه ما يجدون، كشف ﷺ عن بطنه الشريف، فإذا هو قد ربط حجرين، بينما كانوا قد ربطوا حجرًا واحدًا.
في تلك اللحظة لم تكن المواساة بالكلمات، بل بالمشاركة في الألم. كان النبي ﷺ يشعر بما يشعرون، ويجوع معهم، ويحمل من المشقة مثلهم وأكثر، ليعلموا أن قائدهم ليس بعيدًا عن معاناتهم.
وبينما كانوا يحفرون الخندق، ظهر أمر لم يكن في الحسبان. صخرة عظيمة صلبة اعترضتهم، حاولوا كسرها مرة بعد أخرى، لكن المعاول عجزت عنها. فذهبوا إلى النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله، اعترضتنا صخرة لم نستطع كسرها.
فنزل ﷺ إلى الخندق وأخذ المِعول ثم قال: «بسم الله»، ورفع المِعول ثم هوى به على الصخرة. وما إن وقعت الضربة الأولى حتى خرج منها برق أضاء ما بين حرتي المدينة، فرفع النبي ﷺ رأسه وقال:
ساد الصمت لحظة؛ كانوا يقفون في خندق تحيط بهم الرمال ويثقلهم الجوع ويقترب منهم جيش لم يسبق أن اجتمع مثله في الجزيرة، ومع ذلك يحدثهم النبي ﷺ عن الشام!
ثم رفع المِعول مرة أخرى فضرب الصخرة، فخرج منها برق آخر فقال:
ثم جاءت الضربة الثالثة فتفتت الصخرة وتناثرت قطعها فقال ﷺ:
وكأن تلك الصخرة لم تكن مجرد حجر، بل كانت رسالة: كلما اشتدت المحنة كان النبي ﷺ يفتح لهم بابًا من الأمل، وكلما ضاق الواقع أمام أعينهم كان يوسع لهم الأفق بوعد الله.
ولم تمضِ أيام حتى ظهر في الأفق ما كانوا يخشونه؛ ارتفع غبار كثيف من بعيد ثم بدأت الرايات تتتابع، راية ثم أخرى حتى امتلأت أطراف المدينة بأكثر من عشرة آلاف مقاتل. لم يعد الأمر خبرًا يسمعونه بل مشهدًا يرونه بأعينهم. واصطف المسلمون خلف الخندق، يفصل بينهم وبين عدوهم أخدود واحد كان هو الفاصل بين الحياة والموت.
وبينما كانت الأنظار كلها متجهة نحو الأحزاب، جاء خبر من داخل المدينة كان أشد وقعًا من وصول الجيوش نفسها: بنو قريظة الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد نقضوا العهد!
وفي لحظة أصبح الخطر يحيط بالمدينة من كل جهة؛ الأحزاب أمامهم، وبنو قريظة خلفهم، والنساء والأطفال داخل المدينة لا يملكون أن يدفعوا عن أنفسهم شيئًا.
عندها وصف الله ذلك اليوم بكلمات لم يصف بها يومًا غيره:
في مثل هذه اللحظات لا يبقى إلا ما في القلب؛ المنافقون نظروا إلى الجيوش وقالوا:
أما المؤمنون فلم ينكروا شدة الموقف ولم يقللوا من الخوف، لكنهم رأوا في هذا الابتلاء ما أخبرهم الله به من قبل فقالوا:
لم يزدها الحصار إلا يقينًا، ولم تزدهم الشدة إلا ثباتًا، ولهذا ختم الله الآية بقوله:
وفي أثناء ذلك الحصار، جاء رجل إلى النبي ﷺ لم يكن أحد يتوقع أن يكون سببًا في تغيير مجرى الأحداث؛ نعيم بن مسعود رضي الله عنه. أسلم سرًا ولم يكن قومه يعلمون بإسلامه، فقال للنبي ﷺ: يا رسول الله، إن قومي لا يعلمون بإسلامي فمُرني بما شئت. فقال له ﷺ:
فخرج نعيم ينتقل بين الأحزاب وبني قريظة، يحدث هؤلاء بكلام وأولئك بكلام، حتى بدأ الشك يتسلل إلى القلوب، وأصبح كل فريق يخشى أن يتركه الآخر وحده، فتصدع التحالف من الداخل.
وفي الوقت نفسه، كان النبي ﷺ متوجهًا إلى ربه، رفع يديه إلى السماء وقال:
لم يكن في أيدي المسلمين ما يغير موازين القوة، لكن بين أيديهم دعاء نبيهم.
ثم جاء الجواب من السماء؛ لم ينزل جيش من المسلمين ولم تقع معركة فاصلة، بل أرسل الله ريحًا شديدة في ليلة قارسة البرد تقتلع الخيام، وتقلب قدور الطعام، وتطفئ النيران، وترمي التراب في الوجوه، وأرسل معها جنودًا من الملائكة لا يراهم أحد يلقون الرعب في قلوب الأحزاب. قال تعالى:
وفي تلك الليلة، وقف أبو سفيان وقال لقومه:
ولم تقع مواجهةٌ بين الجيشين؛ فقد بدأ جيش الأحزاب الذي اجتمع من كل أنحاء الجزيرة يرحل، قبيلةً بعد أخرى، حتى أشرقت الشمس ولم يبقَ أمام المدينة أحد.
لكن رحيل الأحزاب لم يكن نهاية أحداث الخندق.
فقد بقي أمر بني قريظة، الذين نقضوا العهد في تلك اللحظات الحرجة، فحاصرهم النبي ﷺ حتى نزلوا على حكمه. وكان بنو قريظة حلفاء للأوس قبل الإسلام، فلما نزلوا على الحكم طلبوا أن يُحكَّم فيهم رجل من الأوس، فاختار النبي ﷺ سعد بن معاذ رضي الله عنه.
وكان سعد رضي الله عنه يحمل أثر الخندق في جسده؛ فقد أُصيب بسهمٍ رماه به حِبّان بن العَرِقة، فأصابه في أكحله، وهو عرق في الذراع، فنزف جرحه. فأمر النبي ﷺ أن تُقام له خيمة في المسجد عند رفيدة رضي الله عنها لتداوي الجرحى، وكان ﷺ يعود سعدًا ويتفقده.
وكان سعد قد دعا الله بعد إصابته فقال:
فلما جاء وقت الحكم، جاء سعد محمولًا من شدة إصابته، فقال النبي ﷺ للأنصار: «قوموا إلى سيدكم»، ثم قال له ﷺ: «إن هؤلاء نزلوا على حكمك». فحكم سعد رضي الله عنه فيهم بحكمه، فقال النبي ﷺ:
وبعد ذلك اشتد جرح سعد حتى توفي متأثرًا بإصابته يوم الخندق، فكان فقده مصابًا عظيمًا على المسلمين، وقال النبي ﷺ:
وهكذا يبقى يوم الخندق درسًا لا ينساه المؤمن؛ أن الله قد يتركك حتى تبلغ أقصى ما تستطيع، لا لأنه تخلى عنك، بل ليُريك أن قوتك الحقيقية ليست فيما تملك من أسباب، وإنما فيمن تتعلق به.
فالصحابة رضي الله عنهم لم يروا طريق النجاة، ولم يعلموا كيف ستتغير هذه المحنة، لكنهم علموا شيئًا واحدًا: أن لهم ربًا لا يعجزه شيء.
وفي حياتنا قد تأتي لحظات نشعر فيها أن التعب طال، وأن الدعاء تأخر، وأن الأبواب كلها أُغلقت.. لكن قصة الخندق تهمس في قلوبنا: ليس كل ما لا تراه غائبًا، وليس كل تأخرٍ حرمانًا.
فالله كان يدبّر للصحابة نصرًا وهم يرون الحصار، وكان يهيئ لهم الفرج وهم يرون الشدة. فثق بتدبيره، فربّ أمرٍ أبكاك اليوم سيكون هو نفسه الأمر الذي تحمد الله عليه غدًا.





