يسأل الله عزوجل سؤالًا لا يُراد به الاستفهام، بل الإيقاظ:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾
فالسير هنا ليس حركة الأقدام، بل احتكاك الإنسان بالحياة وتجاربها وتاريخها. هو المرور على المشاهد، والقصص، والنتائج، لا لمجرد المعرفة، بل لاستخلاص المعنى. غير أن القرآن يقرر منذ البداية أن هذا السير قد يكون بلا ثمرة، إن لم يكن وراءه قلب حيّ يستقبل ويعي.
ولهذا لم يقل: عقول يعقلون بها، بل قال: قلوب. لأن الفهم الحقيقي لا يحدث في الذهن وحده، بل في الموضع الذي تتشكل فيه القناعات وتُتخذ فيه القرارات. وقد يرى الإنسان الحق بوضوح، لكنه لا يسمح له بالوصول إلى قلبه، فييبقى أثره معلقًا بلا تغيير. ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾
فالفقه أعمق من الرؤية، وأبعد من السماع.
ثم ينتقل الخطاب القرآني ليحسم موضع الخلل:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
فالعمى الحقيقي ليس فقدان الرؤية، بل فقدان البصيرة. العين تؤدي وظيفتها، لكنها لا تُغيّر السلوك، ولا تُصلح المسار. الذي يفعل ذلك هو القلب، فإذا أُغلق بالهوى، أو أُثقل بالكبر، أو اعتاد التبرير، أصبح عاجزًا عن الاستجابة، مهما كانت الآيات واضحة.
ومن هنا نفهم لماذا ربط القرآن بين الإعراض وتدرّج الانغلاق، فقال:
﴿كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾
فالطبع على القلب ليس عقوبة لحظة واحدة، بل نتيجة تراكم طويل من تجاهل الحق، حتى يصبح عدم الفهم حالة مستقرة. وهذا ما عبّر عنه النبي ﷺ حين قال:
«ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»
فالقلب هو مركز التوجيه الحقيقي، وكل خلل ظاهري سبقه خلل داخلي.
هذا المعنى ذاته يلتقي مع ما يصفه علم النفس بـ العمى المعرفي؛ حيث يمتلك الإنسان المعلومات، ويرى الواقع، لكنه يرفض الاعتراف بنتائجه، لأن الاعتراف يتطلب تغييرًا يهدد صورته عن نفسه أو يفرض عليه مسؤولية ثقيلة. فيختار العقل – بدافع الحماية – أن ينكر أو يبرر أو يتجاهل. لا لأن الحقيقة غامضة، بل لأنها غير مريحة. وهذا ما عبّر عنه القرآن بقوله:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾
أي أن الرفض قد يكون هروبًا من تبعات الفهم، لا جهلًا به.
وحين ننقل هذا المعنى إلى الحياة اليومية، نراه يتكرر في صور متعددة؛ في قرارات نعرف خطأها ونستمر فيها، وفي علاقات ندرك أذانا ونبرر بقاءنا فيها، وفي مواعظ نسمعها ثم نؤجل العمل بها حتى يبهت أثرها. هنا لا تكون المشكلة في غياب الدليل، بل في قلب لم يعد يستجيب.
ولهذا يختم القرآن هذا المسار بقاعدة جامعة:
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾
فالهداية ليست لكل من رأى وسمع، بل لمن حضر قلبه، وأنصت بصدق، وسمح للحقيقة أن تغيّره من الداخل.
فالعبرة ليست في كثرة ما تراه العين،
بل في مقدار ما يسمح له القلب أن يُرى.





