تدري وش الشيء الغريب في شخصيتك؟
إن كثيرًا من الأشياء اللي تقول عنها اليوم: «أنا كذا»، يمكن ما تكون كلها «أنت» أصلًا.
يمكن تكون أشياء تعلّمتها وأنت ما كنت تدري أنك تتعلمها.
طريقة تعوّدت تدافع فيها عن نفسك، خوف تكرر معك، كلمة سمعتها كثيرًا حتى صدقتها، موقف قديم غيّر نظرتك للناس، أو عادة كررتها لدرجة أنها صارت تجي منك تلقائيًا.
ومع الوقت، تبدأ هذه الأشياء تختلط ببعضها لدرجة أنك ما تعود تفرّق: وش الشيء اللي جاء معك من البداية؟ ووش الشيء اللي صنعته تجاربك؟
وهنا يبدأ سؤال أعمق:
كيف تتكوّن شخصية الإنسان أصلًا؟
في علم النفس، الشخصية مو شيء واحد يولد الإنسان به وتبقى معه ثابتة طول حياته، ومو هي مجرد نتيجة للبيئة اللي عاش فيها. عند الإنسان استعدادات مزاجية وفروق فردية تظهر من وقت مبكر، لكن هذه الاستعدادات تتفاعل مع التربية والعلاقات والبيئة والتجارب، ومع الطريقة اللي يتعلم فيها الإنسان يفهم نفسه والعالم من حوله.
خذ طفلين مثلًا، كلاهما أخطأ في الشيء نفسه.
الأول، كلما أخطأ، سمع: «أنت فاشل، ما تفهم!»
والثاني سمع: «غلطت؟ عادي، تعال نشوف كيف تصلحها.»
في البداية قد يبدو الفرق مجرد كلمتين.
لكن لو تكرر الموقف سنوات، يبدأ كل طفل في تكوين معنى مختلف عن الخطأ وعن نفسه.
الأول قد يتعلم أن الخطأ يعني أنه ناقص، أو أن صورته أمام الآخرين أصبحت مهددة، فيبدأ يتجنب التجربة أو يخاف من النقد.
والثاني قد يتعلم أن الخطأ ما يلغي قيمته، وأن المشكلة ممكن التعامل معها وإصلاحها.
وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا: الإنسان ما يتأثر فقط بما يمر به، بل يتأثر أيضًا بالطريقة اللي يفسّر فيها ما يمر به.
ولهذا ممكن شخصان يمرون بتجربة رفض متشابهة، لكن يخرج كل واحد منهم منها بفكرة مختلفة عن نفسه.
الأول يقول:
“أنا ما أنحب.”
والثاني يقول:
“يمكن هذا الشخص ما كان مناسبًا لي.”
التجربة وحدها ما صنعت الفرق.
الفرق أيضًا في التفسير اللي خرج به كل واحد منهما، وهذا التفسير، إذا تكرر، يبدأ يتحول إلى طريقة ينظر فيها الإنسان لنفسه وللعالم من حوله.
ومن هنا تبدأ الدائرة.
الفكرة تؤثر في الشعور، والشعور يدفع إلى سلوك، والسلوك إذا تكرر يصير مألوفًا، ومع الوقت قد نبدأ نتصرف بالطريقة نفسها من غير ما نفكر فيها كثير.
الشخص اللي يخاف من الرفض، مثلًا، ممكن يبدأ يتجنب الناس حتى لا يتعرض للرفض.
لكن تجنبه يقلل فرصه في تكوين علاقات جديدة، فيشعر بالوحدة، ثم يستخدم هذه الوحدة كدليل يؤكد فكرته القديمة: «أنا فعلًا ما أنحب.»
وهكذا، الشيء اللي بدأ كخوف ممكن يتحول مع الوقت إلى نمط حياة.
وهذا يفسر ليش بعض الأشياء في شخصيتنا تبدو وكأنها ثابتة جدًا.
مو لأنها بالضرورة جزء ما نقدر نغيره، وإنما لأنها تكررت معنا بما يكفي حتى صارت مألوفة وتلقائية.
وهنا تدخل العادات.
الإنسان اللي يهرب كل مرة يشعر بالخوف، يتعلم أن الهروب يخفف عنه الشعور في تلك اللحظة، فيميل إلى استخدامه مرة ثانية.
واللي يكتم غضبه دائمًا قد يتعود على كتمانه بدل التعبير عنه.
واللي تعوّد يحاسب نفسه بقسوة، قد يصير نقده لنفسه أسرع من أي نقد يأتيه من الآخرين.
ومع مرور الوقت، قد ما يعود يقول: «أنا تعلّمت هذا السلوك».
بل يقول:
“أنا كذا.”
وهنا تبدأ المشكلة.
لأننا أحيانًا نحول السلوك اللي تعودنا عليه إلى هوية.
نقول: «أنا عصبي.» «أنا خواف.» «أنا ما أعرف أكون اجتماعي.» «أنا ما أثق بأحد.» «أنا ما أقدر ألتزم.»
مع أن الجملة الأدق أحيانًا ممكن تكون: «أنا تعوّدت أستجيب بهذه الطريقة.»
وهذا الفرق البسيط في التعبير يفتح بابًا مهمًا جدًا؛ لأنك إذا فهمت أن هذا السلوك تعلّمته، تبدأ تشوف أنه مو بالضرورة شيء محكوم عليك تبقى عليه إلى الأبد.
وهنا يأتي مفهوم المرونة العصبية.
الدماغ مو ثابتًا لا يتأثر بما نفعله طوال حياتنا، بل يتغير مع التعلم والخبرة والممارسة. وهذا ما يعني أن كل شيء في شخصيتك تقدر تغيّره بسهولة، ولا يعني أن مجرد التفكير الإيجابي بيغير دماغك، لكن يعني أن بعض أنماط الاستجابة يمكن أن تتغير مع تكرار الخبرات والممارسات الجديدة.
فإذا كنت سريع الغضب مثلًا، مو لازم تكون نهايتك:
“أنا عصبي، وهذه شخصيتي.”
قد يكون عندك استعداد مزاجي يخليك أسرع في الانفعال، لكن تقدر تتعلم تلاحظ غضبك قبل ما يتصاعد، وتفهم الأشياء اللي تستفزك، وتؤخر ردك، وتتدرب على استجابة مختلفة.
في البداية ممكن تكون الاستجابة الجديدة ثقيلة وغريبة.
لكن مع التكرار، تصير أكثر ألفة.
وهنا نفهم شيئًا مهمًا: التغيير غالبًا يبدأ كسلوك متعمد، ثم يصير أسهل وأكثر تلقائية مع الوقت.
وهذا المعنى يقرّبنا بشكل جميل من الجانب الإيماني.
لأن الإسلام، في حديثه عن النفس، ما يعامل الإنسان وكأنه محكوم بكل ما فيه من البداية، بل يفتح أمامه طريقًا مستمرًا من التوبة والمجاهدة والتزكية.
قال الله تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾
الآية تتحدث عن تزكية النفس، وليست تقريرًا في علم الأعصاب، لكن فيها معنى عظيم: أن الإنسان ما يكتفي بأنه يعرف نفسه، بل يعمل على إصلاحها.
وهنا تصبح المجاهدة أكثر من مجرد مقاومة لحظة عابرة.
أنت ممكن ما تختار الشعور الأول اللي يظهر داخلك، لكنك تقدر تتعلم كيف تتعامل معه.
قد تغضب، لكنك ما تظلم.
قد تخاف، لكنك ما تخلي الخوف يقرر عنك دائمًا.
قد ترغب في الانتقام، لكنك تختار العفو.
قد تشعر بالكسل، لكنك تقوم وتفعل اللي عليك.
وفي كل مرة تحاول فيها تستجيب بطريقة مختلفة، أنت ما تمسح تاريخك في لحظة، لكنك تعطي نفسك تجربة جديدة تتعلم منها.
ومن هنا، يمكن يصير التغيير أقل قسوة مما نتخيله.
تطبيــق عملــي: كيف تفكك الأنماط التلقائية؟
مو لازم تقول: «أبي أغير شخصيتي كلها»، ممكن تبدأ بسؤال أصغر: «وش النمط اللي يتكرر مني، وأنا ما عاد أبي أعيش أسيرًا له؟»
1. راقب موقفًا واحدًا: إذا غضبت، لاحظ وش اللي سبق غضبك. إذا انسحبت، اسأل نفسك: «وش كنت أحاول أتجنب؟» إذا أخطأت، انتبه للجملة اللي تقولها لنفسك بعدها (هل تقول «أنا فاشل» أم «أنا أخطأت، وأقدر أصلح هذا الخطأ»؟). الفصل بين ما فعلته وبين من أنت يسمح بالتغيير بدل الحبس داخل وصف ثابت.
2. اختر استجابة صغيرة مختلفة: مو مطلوب منك في أول يوم تصير شخصًا شجاعًا في كل شيء. إذا كنت تهرب من المواجهة، جرّب تواجه موقفًا بسيطًا. إذا كنت تنفعل بسرعة، جرّب تأخر ردك بدل ما ترسل أول رسالة تخطر في بالك. وإذا كنت قاسيًا على نفسك، حاول تتحدث معها بالطريقة اللي كنت بتتحدث بها مع شخص تحبه أخطأ.
قد تبدو هذه الأشياء صغيرة جدًا، لكنها بالضبط طبيعة التغيير: اختيارات صغيرة تتكرر، حتى يصير الشيء اللي كان صعبًا عليك أسهل مع الوقت.
ولهذا ممكن يكون السؤال الحقيقي عن الشخصية مختلفًا عن السؤال اللي نبدأ به عادة.
مو:
«هل أقدر أغير شخصيتي؟»
بل:
«وش الشيء اللي فيني أحتاج أتقبله، ووش الشيء اللي أحتاج أزكيه، ووش الشيء اللي أحتاج أتعلم من جديد كيف أتعامل معه؟»
لأنك مو أسير ماضيك، لكنك في الوقت نفسه مو منفصل عنه.
ماضيك يفسر جزءًا من استجاباتك، وتجاربك تترك أثرًا في الطريقة اللي تشوف فيها نفسك والعالم، لكن هذا الأثر ما يعني أن مستقبلك مكتوب بالكامل بالطريقة نفسها.
تقدر تفهم ليش صرت كذا، وبعدها تبدأ، خطوة خطوة، تختار كيف تبي تكون.
وربما أجمل سؤال تسأله لنفسك مو: «من أنا؟»
بل:
«من اللي أدرّب نفسي كل يوم على أن أكونه؟»
لأن شخصيتك ما تظهر فقط في القرارات الكبيرة.
تظهر في الأشياء الصغيرة اللي تكررها وأنت ما تنتبه:
• في طريقة حديثك مع نفسك.
• في طريقة تعاملك مع غضبك.
• في الأشخاص اللي تسمح لهم بالاقتراب منك.
• في الطريقة اللي تتعامل بها مع أخطائك.
• وفي رد فعلك لما ما تسير الأمور مثل ما تبي.
هذه الأشياء تبدو صغيرة وهي تحدث، لكن تكرارها يصنع شيئًا أكبر مع الوقت.
وقفـــة تأمّــل:
• معرفة النفس الحقيقية مو بس إنك تكتشف صفاتك وتقول: «أنا كذا». بل إنك تسأل: «هل هذا فعلًا أنا؟ أم أنه شيء تعلّمته، وتكرر معي، وحان الوقت أن أتعلم طريقة جديدة للتعامل معه؟»





