مع محاولات الإنسان الصادقة لفهم نفسه وتفكيك دفاعاته النفسية، يجد نفسه أمام تحدٍّ معاصر من نوع آخر؛ تحدٍّ لا يستنزف مشاعره فقط، بل ينافسه على أثمن مورد يملكه: انتباهه ووقته.
كم مرة استيقظنا وفي نيتنا أن ننجز شيئًا مهمًا، ثم وجدنا أنفسنا بعد دقائق نغرق في سيل من المقاطع والتمرير اللانهائي؟
وكم مرة هربنا من مهمة صعبة أو شعور مزعج إلى تصفح عشوائي يمنحنا راحة فورية، ثم انتهى اليوم ونحن أكثر تشتتًا، وأقل رضًا عن أنفسنا؟
المشكلة هنا ليست دائمًا كسلًا أو ضعفًا في إدارة الوقت.
أحيانًا يكون ما يحدث أقرب إلى محاولة لتنظيم المشاعر بالهروب منها؛ فحين تكون المهمة مرتبطة بالخوف من الفشل، أو الغموض، أو الجهد الذهني، يصبح الهاتف طريقًا سهلًا للحصول على مكافأة فورية وصرف الانتباه عن الشعور غير المريح.
وهنا تبدأ الحلقة:
مهمة صعبة ← شعور غير مريح ← هروب إلى محتوى سريع ← ارتياح مؤقت ← عودة الشعور نفسه ← مزيد من الهروب.
ومع التكرار، لا يصبح الهاتف مجرد وسيلة نستخدمها، بل يصبح أحد الخيارات التلقائية التي يلجأ إليها العقل كلما شعر بالملل أو الضيق أو صعوبة التركيز.
وهنا يأتي دور نظام المكافأة في الدماغ.
المنصات الرقمية لا تعتمد فقط على المحتوى، بل على عنصر مهم جدًا: عدم القدرة على التنبؤ بما سيأتي بعد ذلك.
مقطع مثير قد يأتي بعد مقطع عادي، ورسالة قد تصل في أي لحظة، ومحتوى جديد قد يكون أكثر إثارة من السابق. هذا النوع من المكافآت المتغيرة يمكن أن يعزز سلوك التحقق والتمرير المتكرر، لأن الدماغ يتعلم أن الاستمرار قد يقود إلى مكافأة جديدة.
والدوبامين هنا ليس «هرمون السعادة» بالمعنى المبسط الذي يتكرر كثيرًا؛ بل يرتبط، من بين وظائف أخرى، بالتعلم والتحفيز وتوقع المكافأة وتوجيه السلوك نحو ما قد يحمل قيمة.
ولهذا فالمشكلة ليست أن الدوبامين «ينفد» من كثرة استخدام الهاتف، وإنما أن الانتباه يتعرض باستمرار لمثيرات تنافس المهام التي تحتاج إلى صبر وتأجيل للمكافأة.
ومع كثرة المقاطعات، يصبح الانتقال المستمر بين المثيرات أكثر سهولة من البقاء مع مهمة واحدة تحتاج إلى جهد ذهني طويل.
ثم تأتي طبقة أخرى من المشكلة: المقارنة.
حين يتعرض الإنسان بصورة متكررة لحياة الآخرين ونجاحاتهم وصورهم المنتقاة، قد يبدأ في مقارنة واقعه الكامل بلقطات منتقاة من واقع الآخرين.
وهنا لا يعود الهاتف يسرق انتباهك فقط؛ بل قد يبدأ في التأثير في الطريقة التي تنظر بها إلى حياتك.
نجاح شخص يصبح معيارًا لنجاحك.
جسد شخص يصبح معيارًا لجسدك.
رحلة شخص تصبح معيارًا لحياتك.
ومع الوقت، قد تشعر أنك متأخر، رغم أنك تقارن كواليس حياتك بواجهة حياة الآخرين.
وهنا يصبح السؤال أعمق من: «كيف أستخدم هاتفي أقل؟»
بل: ما الذي أسمح له أصلًا أن يدخل إلى ذهني؟
وهنا لفتني شيء في القرآن.
فالقرآن لا يقدم للإنسان مجرد أوامر سلوكية منفصلة، بل يربي فيه قدرة على الاختيار والإعراض وضبط النظر والانتباه.
يقول الله تعالى:
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾
الآية في سياق الحديث عن يوم القيامة ومسؤولية الإنسان عن عمله، وليست حديثًا مباشرًا عن المقارنة أو وسائل التواصل.
لكنها تذكّر الإنسان بحقيقة عميقة: أن حسابك في النهاية على كتابك أنت، لا على حياة الآخرين.
وهذه الفكرة مهمة جدًا في عصر المقارنة المستمرة؛ لست مطالبًا بأن تعيش السيناريو الذي يعيشه غيرك.
ثم يقول الله تعالى في وصف المؤمنين:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
واللغو في تفسير أهل العلم أوسع من أن نحصره في «المحتوى الرقمي»؛ فهو ما لا خير فيه من الأقوال والأفعال، وما لا يعني الإنسان ولا ينفعه.
وهنا تظهر قيمة الإعراض.
ليس كل ما تستطيع الوصول إليه يستحق أن تمنحه انتباهك.
وليس كل شيء جديد جديرًا بأن تعرفه.
وليس كل نقاش يستحق أن تدخله.
وليس كل محتوى يستحق أن يمر عبر ذهنك.
قد تكون إحدى صور القوة النفسية في عصرنا أن تعرف متى تقول:
“لا أريد أن أرى هذا.. لا أحتاج أن أعرف هذا.. ليس كل شيء يعنيني.”
ثم يأتي توجيه آخر شديد الصلة بمرض المقارنة، يقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾
الآية جاءت في سياق النهي عن مدّ العين إلى ما عند الآخرين من متاع الدنيا، وهي لا تتحدث عن وسائل التواصل تحديدًا، لكن معناها يلفت إلى مبدأ مهم: ألا ينشغل الإنسان بما عند غيره حتى يستصغر ما عنده. وهذا المعنى يزداد أهمية في عصر يستطيع فيه الإنسان أن يرى تفاصيل من حياة الآخرين خلال دقائق؛ نجاحاتهم، وممتلكاتهم، وأسفارهم، وصورًا منتقاة من حياتهم. فالمشكلة ليست دائمًا أن الآخرين يعيشون حياة أفضل منك، بل أن التعرّض المستمر لما عندهم قد يجعلك تقيس حياتك بما تراه عندهم، فتغفل عمّا أنعم الله به عليك. ولهذا فالإعراض ليس مجرد الابتعاد عن شيء لا ينفع، بل قد يكون أيضًا وسيلة لحماية القلب من التعلق بما عند الآخرين، وحماية النفس من المقارنة التي تستنزف الرضا.
استعادة السيطرة: كيف نبدأ بالإعراض المتعمد؟
«الحمية الرقمية» ليست مجرد قرار بإغلاق التطبيقات، بل هي إعادة سؤال: ماذا يستحق أن يدخل إلى عقلي؟ وماذا يستحق أن يبقى فيه؟ وماذا أحتاج أن أُعرض عنه حتى أستطيع أن ألتفت لما ينفعني؟
وهذا المعنى يقترب من كلام ابن القيم رحمه الله عن الخطرات؛ إذ يبين كيف تبدأ الإرادة من الخاطر، ثم تتطور إلى فكرة، ثم إرادة، ثم فعل.
وهنا تكمن نقطة شديدة الأهمية: السلوك لا يبدأ عندما تفتح التطبيق؛ بل قبل ذلك.
يبدأ باللحظة التي يأتيك فيها خاطر: «خلني أشوف وش الجديد.. بس دقيقة.. أبي أهرب شوي.» وهذه الدقيقة قد تكون الباب الذي يبدأ منه السلوك كله.
لذلك فاستعادة السيطرة لا تعني أن تصبح آلة لا تتشتت، ولا أن تعيش بعيدًا عن التقنية، بل أن تستعيد قدرتك على الإعراض المتعمد:
• أن تستطيع أن ترى المثير ولا تستجيب له.
• أن تشعر بالملل ولا تهرب منه فورًا.
• أن تبدأ المهمة الصعبة رغم أن عقلك يطلب مكافأة أسهل.
• أن تترك حياة الآخرين في شاشاتهم، وتعود إلى حياتك أنت.
فربما لا تكون المشكلة أننا نملك وقتًا قليلًا.
ربما أننا نمنح الكثير من وقتنا لأشياء لم نختر أصلًا أن تكون مهمة لنا.
والسيادة الذهنية تبدأ من هنا:
أن تعرف ما يستحق انتباهك… ثم تملك الشجاعة أن تُعرض عمّا لا يستحقه.
وقفـــة تأمّــل:
• ما هو الخاطر التلقائي الذي يدفعك لفتح هاتفك في منتصف مهامك؟ وهل تمنح نفسك ثوانٍ للإعراض عنه قبل الاستجابة؟





