كلنا نمر في لحظات بأفكار مزعجة تتسلل إلى أذهاننا فجأة، أفكار عن المستقبل أو عن أخطاء ارتكبناها، أو حتى عن أحداث قديمة لا نريد تذكرها. الطبيعي عند كثير من الناس هو محاولة دفع هذه الأفكار أو مقاومتها، العلم العصبي يوضح أن هذه المقاومة تجعل المشكلة أكبر بدل أن تحلّها.
عندما يحاول الإنسان دفع الفكرة، يفسّر الدماغ هذا السلوك على أنه تهديد. فتبدأ اللوزة الدماغية (Amygdala) – مركز الخوف والانفعال – بالعمل بشكل مكثف، وتزداد إفرازات هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول.
هذه الهرمونات ترفع نشاط الحصين (Hippocampus) – مركز الذاكرة واستدعاء الأفكار – فتصبح الذكريات والأفكار المرتبطة بالخوف أو القلق أوضح وأكثر قوة. بمعنى آخر، كل محاولة مقاومة للفكرة تجعل الدماغ يعطيها أولوية في المعالجة، فتستمر في الظهور بلا توقف، وكأن العقل يصر على إبقائها حيّة وهو ما يسمّيه العلماء أحيانًا «حلقة الوسواس المعرفي».
القرآن وصف هذه الظاهرة بطريقة دقيقة جدًا حين قال تعالى:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَٰهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾
الوسواس الخناس يشبه تمامًا هذه الأفكار التي تظهر وتختفي، وأمر الله بالاستعاذة ليس مجرد دعاء عادي، بل وسيلة ذهنية وروحية لإيقاف هذا النشاط العصبي القهري.
الاستعاذة هنا تعمل مثل إشارات الدماغ لتفعيل نظام المكابح العصبية، مثل عمل GABA الذي يهدئ اللوزة والحصين ويوقف دائرة استدعاء الأفكار.
أما عندما نسمح للفكرة بالوجود دون مقاومة، يبدأ الفص الجبهي (Prefrontal Cortex) – مركز التفكير المنطقي وضبط النفس – بالعمل بشكل أفضل.
الدماغ هنا يرسل إشارات تهدئة، ويعزز استخدام المكابح العصبية الطبيعية، فتنخفض حدة التوتر النفسي، وتتراجع الأوهام والوساوس. العلم العصبي يسمّي هذا «تنظيم العاطفة بالتحكم التنفيذي»، وفي القرآن نجد نفس المبدأ حين قال تعالى:
﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
الاستعاذة هنا تدخل مباشرة لإعادة التوازن بين الشعور الداخلي والإحساس بالخطر، تمامًا كما يحاول الدماغ إعادة التوازن العصبي عند مواجهة الأفكار السلبية.
حتى الطمأنينة التي يحصل عليها الإنسان بالذكر تعكس نتائج علمية مثبتة؛ فقد أظهرت الدراسات أن الذكر المنتظم يخفض نشاط اللوزة الدماغية المسؤولة عن الخوف، ويزيد نشاط الفص الجبهي المسؤول عن التحكم بالأفكار.
وهذا يتوافق مع قوله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
فالطمأنينة الناتجة عن الذكر تعيد ضبط التوازن العصبي، تمامًا كما يفعل الدماغ عند استخدام نظام المكابح العصبية لتهدئة النشاط المفرط في الحصين واللوزة.
النبي ﷺ علّمنا كذلك كيفية التعامل مع هذه الوساوس خطوة خطوة، فقال:
“يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينتَهِ”
الرسول ﷺ أعطانا تمرينًا معرفيًا وإيمانيًا متكاملًا:
أولًا الملاحظة: وهي دور الفص الجبهي في التعرف على الفكرة عند ظهورها.
ثانيًا الاستعاذة: وهي تعمل مثل المكابح العصبية التي تهدئ النشاط الزائد.
ثالثًا الإعراض والانتهاء: وهو الانتهاء عن متابعة الفكرة، بما يعادل إيقاف دائرة استدعاء الذكريات السلبية التي يتحكم فيها الحصين.
وعندما يثق الإنسان أن الله أقرب إليه من حبل الوريد، ويعي أن الله يعلم سرّه ونجواه، يبدأ القلب بالهدوء، ويقل التوتر العصبي، ويستعيد الشخص سيطرته على أفكاره ومشاعره، تمامًا كما يعلّمه العلم العصبي.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾
التذكّر هنا يعني تفعيل الوعي والفص الجبهي، و«المبصرون» هم الذين يستطيعون العودة للرؤية الصحيحة بعد تشويش الوسوسة، كما يدرّب الدماغ العصبي الإنسان على الملاحظة، التهدئة، والانتهاء عن الاسترسال بالفكرة.
وقفـــة تأمّــل:
• حين تطرق الوسوسة باب ذهنك، تذكّر خطوات النبويّة الثلاث: لاحظ الفكرة، استعذ لتستعيد سكونك، ثم انتَهِ وأعرض ليُبصر عقلك من جديد.





