أحيانًا ينتهي الموقف منذ سنوات، لكن بعض استجابات الجسم لا تتصرف وكأن كل شيء انتهى.
صوت معيّن يرفع نبضك.
رائحة تعيد لك شعورًا قديمًا.
مكان يجعلك متوترًا دون أن تعرف لماذا.
أو موقف بسيط في الحاضر يثير فيك استجابة تبدو أكبر بكثير من الموقف نفسه.
فتسأل نفسك:
لماذا ما زال جسمي يتفاعل مع شيء انتهى منذ زمن؟
لفهم ذلك، نحتاج أن نفهم كيف يتعامل الدماغ مع الخطر، وكيف يمكن للتجارب الصادمة أن تؤثر في الذاكرة والانفعال والاستجابة الجسدية.
الصدمة النفسية ليست مجرد ذكرى مؤلمة؛ ففي بعض الأشخاص، وخصوصًا من يطورون اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، ترتبط التجربة بتغيرات في دوائر عصبية تشارك في معالجة التهديد والذاكرة والتنظيم الانفعالي، إضافة إلى أنظمة الاستجابة للضغط والجهاز العصبي الذاتي.
عندما يتعلم الدماغ أن هناك خطرًا
تخيل شخصًا تعرض لحادث سيارة في طريق معين.
بعد سنوات، مرّ بالطريق نفسه، وفجأة شعر بتوتر شديد وتسارع في نبضه، رغم أن الطريق آمن الآن.
ما الذي حدث؟
أثناء التجربة، لا يتعلم الدماغ الحدث وحده، بل يمكن أن تتكون ارتباطات بين الخطر وأشياء كانت موجودة حوله: المكان، الأصوات، الروائح، المواقف، والأحاسيس المرتبطة بالحدث.
وبالتالي قد تصبح بعض هذه الإشارات لاحقًا قادرة على استدعاء استجابة مرتبطة بالتهديد.
وهنا تأتي أهمية اللوزة الدماغية (Amygdala).
فاللوزة تشارك في معالجة المعلومات المرتبطة بالتهديد والخوف والتعلم الانفعالي، لكنها لا تعمل وحدها؛ بل هي جزء من شبكة واسعة تتفاعل مع الحُصين ومناطق من القشرة الجبهية وغيرها من الدوائر العصبية.
ولهذا قد يكون الشيء الذي يثير استجابتك الآن ليس خطرًا حقيقيًا، وإنما إشارة ارتبطت بالخطر في الماضي.
وهذا يفسر، جزئيًا، لماذا يمكن لرائحة أو صوت أو مكان أن يصبح مثيرًا لاستجابة قوية، حتى عندما لا يكون هناك خطر حقيقي في اللحظة الحالية.
لماذا يتوتر الجسم قبل أن نفهم السبب؟
عندما يواجه الإنسان تهديدًا، تتفاعل عدة أنظمة في الجسم بسرعة.
منها الجهاز العصبي الودي، ومنها محور الوطاء–النخامى–الكظر (HPA axis).
هذه الأنظمة تساعد الجسم على الاستعداد للتعامل مع الخطر، فتتغير ضربات القلب والتنفس والانتباه وتوتر العضلات، وتتغير أيضًا الإشارات الهرمونية المرتبطة باستجابة الضغط، ومنها الكورتيزول، بينما يرتبط الأدرينالين بصورة أساسية بتنشيط الجهاز العصبي الودي ولبّ الغدة الكظرية.
هذه الاستجابة في أصلها ليست مشكلة.
هي واحدة من طرق الجسم في حمايتنا.
المشكلة أن أنظمة الاستجابة للتهديد قد تصبح شديدة الحساسية أو غير منتظمة لدى بعض الأشخاص بعد الصدمة، وهو ما قد يظهر في PTSD على هيئة فرط يقظة، واضطرابات نوم، واستجابة قوية للمفاجآت، وارتفاع في الاستثارة.
ولهذا قد يقول الإنسان:
«أنا أعرف أني بأمان، لكن جسمي متوتر.»
وهذه الجملة تلخص شيئًا مهمًا.
فمعرفة الإنسان الواعية بأن الخطر انتهى لا تعني بالضرورة أن الاستجابة الجسدية المرتبطة بالتهديد ستختفي فورًا.
وهنا يأتي دور الحُصين
الحُصين (Hippocampus) جزء مهم من أنظمة الذاكرة، وله دور في معالجة السياق الزماني والمكاني للأحداث.
وهذا مهم جدًا عند التعامل مع الخوف.
فالدماغ لا يحتاج فقط إلى معرفة أن شيئًا ما كان مخيفًا، بل يحتاج أيضًا إلى أن يربطه بسياقه:
متى حدث؟ أين حدث؟ وهل يحدث الآن؟
تخيل أنك تعرضت لحادث في شارع معين.
عندما تعود إلى المكان نفسه بعد سنوات، يمكن أن يستدعي المكان بعض الاستجابة الانفعالية المرتبطة بالحادث.
لكن الدماغ يستطيع في الحالة الطبيعية أن يضع التجربة في سياقها:
«هذا حدث في الماضي، وأنا الآن هنا، والخطر انتهى.»
ولهذا يدرس الباحثون العلاقة بين الحُصين واللوزة والمناطق الجبهية عند محاولة فهم PTSD. وقد وجدت دراسات عصبية تغيرات في نشاط واتصال بعض هذه الدوائر لدى المصابين بالاضطراب.
لكن هنا نحتاج إلى تصحيح فكرة شائعة:
ليس دقيقًا أن نقول إن «الحُصين يتعطل أثناء الصدمة».
الأدق أن الضغط الشديد يمكن أن يؤثر في وظائف الذاكرة والسياق، وأن PTSD يرتبط بتغيرات في عمل واتصال بعض الدوائر العصبية، مع اختلاف النتائج بين الدراسات والأفراد، ومع احتمال أن تكون بعض الاختلافات عوامل خطر سابقة للصدمة وليست كلها نتيجة لها.
وهل تُخزَّن الصدمة في الجسم؟
هنا تنتشر عبارة جميلة:
«الجسم يتذكر.»
وهي تعبّر عن تجربة حقيقية قد يعيشها الإنسان، لكنها تحتاج إلى تفسير دقيق.
لا توجد حاجة إلى افتراض أن الذكرى تُخزَّن داخل العضلات أو الأنسجة كما لو كانت ملفًا مستقلًا.
فالذكريات ليست مخزنة في أنسجة الجسم خارج الدماغ.
لكن هذا لا يعني أن التجربة لا يمكن أن تظهر في الجسد.
التجربة الصادمة قد ترتبط بذكريات حسية وانفعالية، وباستجابات فسيولوجية للتهديد، ولذلك قد تؤدي بعض المثيرات المرتبطة بالحدث لاحقًا إلى استجابة جسدية تلقائية.
مثلًا:
شخص تعرض لتجربة مؤلمة في مكان معين.
بعد سنوات، دخل المكان نفسه وشعر بانقباض في عضلاته وتسارع في نبضه، دون أن يفكر بوعي في الحدث في تلك اللحظة.
لا يعني هذا أن عضلاته «احتفظت بالذكرى».
بل يعني أن الدماغ والجهاز العصبي كوّنا ارتباطًا بين بعض الإشارات والتجربة السابقة، ويمكن لهذه الإشارات أن تستدعي استجابة جسدية لاحقًا.
ولهذا يمكن استخدام تعبير «ذاكرة الجسد» بشكل وصفي، لكن لا ينبغي فهمه على أنه وجود ذاكرة مستقلة مخزنة داخل العضلات أو الأنسجة.
لماذا تبدو بعض الذكريات الصادمة مختلفة؟
من أكثر الأفكار انتشارًا أن الذاكرة الصدمية تكون دائمًا «مجزأة» إلى صور ومشاعر منفصلة، بينما تكون الذاكرة العادية قصة مرتبة ومتسلسلة.
لكن الأدلة العلمية لا تدعم هذه الفكرة بهذه البساطة.
فالذاكرة البشرية أصلًا ليست تسجيلًا حرفيًا لما حدث.
وفي PTSD قد تظهر ذكريات اقتحامية، ومشكلات في السياق، وذكريات حسية أو انفعالية شديدة، لكن الدراسات حول كون الذكريات الصادمة «مجزأة» بشكل عام أعطت نتائج غير متسقة.
لذلك الأدق أن نقول:
قد تؤثر الصدمة في طريقة استرجاع الذاكرة وربطها بالسياق، لكنها لا تُخزن بطريقة واحدة لدى جميع الأشخاص.
وهذا مهم؛ لأننا أحيانًا نحول فكرة علمية محتملة إلى قاعدة عامة، ثم نبني عليها تفسيرًا لكل تجربة إنسانية.
والعلم هنا أكثر تعقيدًا من ذلك.
لماذا يمكن لصوت بسيط أن يعيد شعورًا قديمًا؟
لأن الدماغ يتعلم العلاقات.
إذا ارتبط صوت معين بتجربة خطرة، فقد يصبح الصوت لاحقًا إشارة تستدعي استجابة دفاعية.
مثلًا:
شخص تعرض لحادث أثناء هطول المطر.
بعد سنوات، بدأ المطر يهطل أثناء قيادته.
قد يشعر بالتوتر، ويصبح أكثر انتباهًا للطريق، ويزداد نبضه.
المطر ليس الخطر.
لكنه أصبح جزءًا من السياق الذي ارتبط بالتجربة السابقة.
وهنا لا يحتاج الإنسان إلى أن يقول لنفسه:
«أنا الآن أتذكر الحادث.»
قد تبدأ الاستجابة قبل أن يصوغ التجربة بالكلمات.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل بعض الأشخاص يشعرون أن أجسادهم «سبقت أفكارهم».
هل يمكن للدماغ أن يتغير بعد الصدمة؟
نعم.
الدماغ يمتلك قدرة على التغير استجابة للتجربة والتعلم والبيئة، وهي خاصية تُعرف بـ اللدونة العصبية (Neuroplasticity).
وقد وجدت أبحاث PTSD تغيرات في بعض الدوائر المرتبطة بالتهديد والذاكرة والتنظيم الانفعالي.
لكن من المهم عدم تفسير هذه النتائج على أنها تعني أن الدماغ «تلف» أو أن كل شخص تعرض لصدمة سيحدث له التغير نفسه.
بل إن بعض الاختلافات العصبية قد تكون موجودة قبل التعرض للصدمة، وقد تؤثر في قابلية الشخص لتطور PTSD، بينما ترتبط تغيرات أخرى بالاضطراب نفسه.
وهذه نقطة مهمة جدًا:
فهم التغير العصبي لا يعني أن الماضي يحكم المستقبل.
فالدماغ الذي يتغير مع التجربة يمكنه أيضًا أن يتغير مع التعلم والعلاج والتجارب الجديدة.
وماذا عن العلاج؟ وما الذي يمكن فعله عمليًا؟
إذا كان الشخص يعرف أن الخطر انتهى، فلماذا لا يكفي أن يقول لنفسه:
«انتهى الموضوع، لا تخاف.»
لأن PTSD ليس مجرد مشكلة في معرفة الحقيقة.
الشخص قد يعرف تمامًا أن الخطر انتهى، ومع ذلك يعاني من ذكريات اقتحامية أو تجنب أو فرط يقظة أو استجابات جسدية مرتبطة بالمثيرات.
ولهذا تركز العلاجات المتخصصة على التعامل مع الذكريات والمثيرات والأفكار والاستجابات المرتبطة بالصدمة بطريقة منظمة وآمنة.
ومن العلاجات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية للبالغين المصابين بـ PTSD: العلاج المعرفي السلوكي الذي يركز على الصدمة (CBT with a trauma focus) وEMDR، إلى جانب تدخلات نفسية أخرى بحسب الحالة.
وتصف منظمة الصحة العالمية جودة الدليل على هذه التدخلات بأنها متوسطة مع توصية مشروطة في إرشاداتها المحدثة.
ماذا يمكن أن يفعل الإنسان في حياته اليومية؟
هذه الأمور ليست بديلًا عن العلاج عند وجود PTSD، لكنها قد تساعد في إدارة التوتر ودعم الصحة العامة:
- لاحظ الاستجابة بدل أن تخاف منها
عندما تشعر بتسارع النبض أو توتر العضلات، حاول أن تلاحظ: «جسمي استجاب، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هناك خطرًا الآن.» الفكرة هنا ليست أن تقنع نفسك بالقوة بأنك بخير، بل أن تعطي نفسك فرصة لملاحظة الفرق بين الإحساس بالخطر ووجود خطر فعلي. - استخدم التنفس الهادئ عند تصاعد التوتر
التنفس البطيء والمنظم يمكن أن يكون إحدى طرق تهدئة التوتر، إلى جانب استراتيجيات الاسترخاء الأخرى. لكن لا نحتاج إلى القول إن «طريقة معينة من التنفس تعيد توازن الجهاز العصبي» كحقيقة مطلقة؛ يكفي أن نقول إن التنفس المنظم قد يساعد بعض الأشخاص على خفض التوتر والاستثارة. - ارجع إلى الحاضر
عندما يظهر محفز قوي، يمكن أن يساعد الانتباه إلى البيئة الحالية: أين أنا؟ ما الذي يحدث الآن؟ هل أنا في المكان نفسه الذي حدثت فيه التجربة؟ ما الذي أراه وأسمعه حولي؟ هذه ليست طريقة سحرية لمحو الذكرى، لكنها قد تساعد الشخص على إعادة توجيه انتباهه إلى الحاضر بدل الاستغراق في الاستجابة للمحفز. - لا تهمل النوم والحركة
النوم المنتظم والنشاط البدني يرتبطان بالصحة الجسدية والنفسية، ويمكن أن يكونا جزءًا من العناية الذاتية وإدارة التوتر. لا تحتاج إلى تمارين قاسية؛ المشي المنتظم أو أي نشاط بدني مناسب يمكن أن يكون بداية جيدة. - لا تجعل هذه الخطوات بديلًا عن العلاج
إذا كانت الأعراض شديدة أو مستمرة وتؤثر في النوم أو العلاقات أو العمل أو الدراسة، فطلب المساعدة من مختص مدرب على علاج الصدمات أهم من محاولة التعامل مع الأمر وحدك. العلاج ليس اعترافًا بأنك ضعيف، بل هو وسيلة لفهم ما يحدث والتعامل معه بطريقة أكثر أمانًا وفعالية.
وماذا عن الأشخاص من حول الإنسان؟
هناك شيء آخر مهم جدًا لا يتعلق بالدماغ وحده: الأمان الاجتماعي.
معظم الأشخاص الذين يتعرضون لأحداث يحتمل أن تكون صادمة لا يطورون PTSD. كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الدعم من العائلة والأصدقاء وغيرهم بعد الحدث قد يساعد في التعافي وقد يقلل من خطر استمرار الأعراض.
ولهذا فإن وجود شخص يستطيع الإنسان أن يتحدث معه عندما يكون مستعدًا، وشعوره بأنه ليس مضطرًا لمواجهة التجربة وحده، يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من التعافي.
لكن هذا لا يعني أن كل شخص يحتاج إلى الحديث عن تفاصيل تجربته مباشرة؛ فالتدخلات النفسية المتخصصة تختلف عن مجرد إجبار الشخص على سرد التجربة.
متى تصبح الاستجابة مشكلة تحتاج إلى مساعدة؟
من الطبيعي بعد تجربة مؤلمة أن يشعر الإنسان بالخوف أو الحزن أو اضطراب النوم أو زيادة التوتر. ولا يعني ظهور هذه الأعراض مباشرة أن الشخص مصاب بـ PTSD؛ فكثير من الناس يتعافون طبيعيًا مع الوقت.
لكن عندما تستمر مجموعة من الأعراض أكثر من شهر، وتسبب ضيقًا واضحًا أو تؤثر في الدراسة أو العمل أو العلاقات أو الحياة اليومية، فقد يكون من المهم تقييم الحالة لدى مختص.
وهنا الفرق مهم: الاستجابة للصدمة ليست دائمًا مرضًا، فأحيانًا يكون الخوف بعد الخطر جزءًا طبيعيًا من طريقة الإنسان في التكيف. المشكلة عندما يستمر نظام الإنذار في تعطيل الحياة بعد أن ينتهي الخطر.
في النهاية
الصدمة ليست مجرد شيء حدث وانتهى.
أحيانًا يكون الحدث قد انتهى فعلًا، لكن بعض أنظمة الدماغ والجسم ما زالت تتعامل مع إشارات مرتبطة به باعتبارها مهمة للحماية.
ولهذا قد يكون صوت أو رائحة أو مكان كافيًا لإطلاق استجابة جسدية قوية.
لكن هذا لا يعني أن الإنسان عالق في الماضي إلى الأبد؛ فالدماغ قابل للتغير، والاستجابة التي تعلمها الإنسان في وقت كان يحاول فيه النجاة، يمكن أن تتغير أيضًا مع التعلم والتجارب الآمنة والعلاج المناسب.
ما حدث لك قد يفسر بعض استجاباتك، لكنه لا يعني أن مستقبلك يجب أن يبقى نسخة من ماضيك.
المراجع العلمية
• Fenster RJ, Lebois LAM, Ressler KJ, Suh J. Brain circuit dysfunction in post-traumatic stress disorder: from mouse to man. Nature Reviews Neuroscience. 2018;19:535–551.
• Sherin JE, Nemeroff CB. Post-traumatic stress disorder: the neurobiological impact of psychological trauma. Dialogues in Clinical Neuroscience. 2011;13(3):263–278.
• Shin LM, Rauch SL, Pitman RK. Amygdala, medial prefrontal cortex, and hippocampal function in PTSD. Annals of the New York Academy of Sciences. 2006;1071:67–79.
• Candel I, Merckelbach H. Dissociation and memory fragmentation in posttraumatic stress disorder: an evaluation of the dissociative encoding hypothesis. European Journal of Psychotraumatology. 2007.
• Parma C, Doria F, Zulueta A, et al. Does Body Memory Exist? A Review of Models, Approaches and Recent Findings Useful for Neurorehabilitation. Brain Sciences. 2024;14(6):542.
• World Health Organization (WHO). Post-traumatic stress disorder. 2024.
• World Health Organization (WHO). PTSD: Psychological interventions – adults. mhGAP Evidence Centre.
• U.S. Department of Veterans Affairs – National Center for PTSD. Resources on traumatic stress reactions, coping, sleep, breathing and physical strategies.





