يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«إن كان الشغل مُجهدة، فإن الفراغ مَفسدة»
عبارة قصيرة، لكنها تصف شيئًا نعيشه أكثر مما نتوقع.
نحن أحيانًا نظن أن الراحة هي أن لا يكون لدينا شيء نفعله.
فنقول: «أخيرًا فاضي.»
لكن الغريب أن الفراغ الطويل لا يجعل الإنسان دائمًا أكثر راحة.
أحيانًا يحدث العكس تمامًا.
يبدأ العقل يبحث عن شيء.
يفكر في موقف قديم، ويعيد محادثة انتهت منذ أيام، ويتساءل:
ثم ينتقل من فكرة إلى أخرى، ومن قلق إلى قلق، حتى يصبح الإنسان متعبًا وهو لم يفعل شيئًا.
وهنا نفهم معنى عميقًا في كلمة «مَفسدة».
فالإنسان لا يحتاج فقط إلى أن يتعب نفسه بالعمل، بل يحتاج أيضًا إلى أن يعرف بماذا يملأ فراغه.
لأن العقل لا يحب الفراغ
من الناحية النفسية، عندما تقل المطالب الخارجية، يصبح لدينا مساحة أكبر للتفكير الداخلي.
وهذا ليس سيئًا بحد ذاته.
بل إن العقل يحتاج أوقاتًا يتوقف فيها عن الإنجاز، ويتأمل، ويراجع، ويستعيد طاقته.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الفراغ من راحة إلى غياب للمعنى.
هنا قد يبدأ العقل بالدخول في التفكير المتكرر والاجترار النفسي؛ يعيد الأحداث نفسها، ويضخم الاحتمالات، ويبحث عن إجابات لأسئلة لا تحتاج أصلًا إلى إجابة.
ولهذا قد تجد شخصًا مشغولًا طوال اليوم، لكنه في آخر الليل ينام مرتاحًا.
وشخصًا آخر لم يفعل شيئًا طوال اليوم، لكنه يقول:
«مدري ليه اليوم نفسيتي تعبانة.»
ليس لأن عدم العمل سيئ.
بل لأن الإنسان يحتاج إلى شيء يشعره أن يومه يمضي في اتجاه ما.
العلم أيضًا يفسر شيئًا من هذا
لدينا في الدماغ شبكة تُعرف باسم Default Mode Network، أو «شبكة الوضع الافتراضي».
تنشط بدرجة أكبر عندما لا يكون العقل منشغلًا بمهمة خارجية محددة، وترتبط بأشياء مثل استحضار الذكريات، والتفكير في الذات، وتخيل المستقبل، والتفكير في الآخرين.
وهذا يفسر جزئيًا لماذا عندما نترك أنفسنا بلا مهمة، لا يتوقف العقل.
بل يبدأ بالعمل في اتجاه آخر.
لذلك ليست المشكلة دائمًا في أن الإنسان لا يعمل.
المشكلة أحيانًا أنه لا يعرف إلى أين يذهب عقله عندما لا يعمل.
ولهذا كان الفراغ أخطر من التعب أحيانًا
التعب الناتج عن شيء له معنى يختلف عن التعب الناتج عن الضياع.
هذا تعب له وجهة.
أما أن يستيقظ الإنسان، ويمضي يومه بين الهاتف، والمقاطع، والتنقل من تطبيق إلى تطبيق، ثم ينام وهو يشعر أنه لم يعش يومه أصلًا…
فهذا نوع آخر من الإرهاق.
إرهاق بلا إنجاز، ولا معنى، ولا شعور بالتقدم.
والإيمان لا ينظر للوقت على أنه فراغ
وهنا يأتي المعنى الإيماني الجميل.
قال الله تعالى:
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾
تأمل التعبير:
﴿فإذا فرغت﴾
لم يقل: فإذا فرغت فاستسلم للفراغ.
بل:
﴿فانصب﴾
أي انتقل إلى جهد آخر، وعمل آخر، وعبادة أخرى، ومقصد آخر.
وكأن حياة المؤمن ليست قائمة على أن يمتلئ وقته بأي شيء.
بل أن ينتقل من شيء نافع إلى شيء أنفع.
حتى الراحة نفسها يمكن أن تصبح جزءًا من الطريق، إذا كانت تعينك على مواصلة الطريق.
لكن انتبه…
هذا لا يعني أننا يجب أن نكون مشغولين طوال الوقت.
ولا يعني أن كل دقيقة لا تنتج فيها شيئًا هي دقيقة ضائعة.
الراحة ليست فسادًا.
الفساد أن يتحول الفراغ إلى أسلوب حياة.
أن يصبح الهروب من المسؤولية هو الراحة.
أن يصبح الهاتف هو الشيء الوحيد الذي يملأ ساعات اليوم.
أن يصبح العقل مشغولًا بما لا ينفع، بينما الجسد جالس.
ربما لذلك لا نحتاج أن نسأل:
«كيف أقتل وقتي؟»
بل نسأل:
«بماذا أحيي وقتي؟»
لأن الوقت لن يتوقف.
سواء ملأته بشيء يبنيك، أو بشيء يستهلكك.
وفي النهاية، ربما لا يكون المطلوب أن نعيش حياة مزدحمة.
بل أن نعيش حياة ذات معنى.
فقد يكون الشغل مُجهدًا فعلًا…
لكن الفراغ الطويل قد يكون أكثر إرهاقًا، حين يجعل الإنسان عالقًا مع أفكاره، بعيدًا عن أهدافه، وقريبًا من كل ما يستهلك قلبه وعقله.
ولهذا تبدو عبارة عمر رضي الله عنه أكبر من مجرد نصيحة عن العمل:
«إن كان الشغل مُجهدة، فإن الفراغ مَفسدة.»
فالإنسان يحتاج إلى شيء يتعب من أجله…
حتى لا يتعب من نفسه.





