هناك أشياء في حياتنا لا تؤلمنا لأنها حدثت فقط… بل لأننا ما زلنا نحاول، في داخلنا، أن نجعلها تحدث بطريقة أخرى.
نعود إلى الموقف بعد انتهائه، ونفتش في تفاصيله:
وكأن العقل يظن أن كثرة التفكير قد تعيد ترتيب الماضي. لكن الماضي لا يعود، والذي كُتب قد كُتب. وقد يكون أكثر ما يستنزف الإنسان ليس ما حدث له، وإنما مقاومته الداخلية لما حدث.
ولهذا كان الرضا بالله وقدره من أعظم ما يسكن به القلب؛ ليس لأن الإنسان لن يحزن بعد الرضا، بل لأنه لن يظل في خصومة مع ما لا يستطيع تغييره.
الرضا لا يعني أن يعجبك كل ما يحدث
من الخطأ أن نتصور الإنسان الراضي شخصًا لا يحزن، ولا يتألم، ولا يتمنى لو كان الأمر مختلفًا. النبي ﷺ حزن وبكى عند موت ابنه إبراهيم، وقال:
«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا»
فالحزن موجود، والدمعة موجودة، لكن الاعتراض ليس موجودًا.
وهذه منزلة دقيقة جدًا: أن يتألم القلب، دون أن يسوء ظنه بربه. أن تقول: “يا رب، هذا يؤلمني… لكنني أعلم أنك أعلم بي مني”. أن تفقد شيئًا كنت تتمناه، ولا تفهم لماذا أُخذ منك، لكن يبقى في قلبك يقين: أن اختيار الله ليس عبثًا.
لماذا نتعب من التفكير في «لو»؟
لأن العقل لا يحب الأشياء التي لا يستطيع التحكم بها. وحين يحدث شيء خارج توقعاتنا، قد يبدأ في البحث عن تفسير أو سيناريو آخر يشعره بأنه كان قادرًا على منع ما حدث. وهكذا تبدأ «لو»:
- لو أني فعلت.
- لو أني لم أفعل.
- لو أني انتبهت.
- لو أن الأمور سارت بطريقة أخرى.
وفي علم النفس، قد يتحول هذا النوع من التفكير إلى اجترار فكري (Rumination)؛ يعود الإنسان للفكرة نفسها دون أن يصل إلى حل أو خطوة جديدة.
المشكلة هنا ليست في مراجعة التجربة؛ فمراجعة التجربة قد تعلمك. المشكلة أن تبقى تسكن فيها، أن يتحول الماضي من درس إلى مكان تعيش فيه. ولهذا قال النبي ﷺ:
«وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل»
كأن المعنى: خذ من الماضي حكمته… لكن لا تسكن في احتمالاته.
أنت لا ترى القدر كاملًا
أحيانًا نحكم على الشيء من لحظته الأولى؛ نرى التأخير فنراه حرمانًا، ونرى المنع فنراه خسارة، ونرى النهاية فنظن أنها أسوأ ما كان يمكن أن يحدث. لكننا لا نملك القصة كاملة. قال الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
هذه الآية لا تخبرك أن كل شيء سيعجبك، بل تذكّرك بحقيقة أكبر: أن علمك محدود. أنت تعرف ما حدث، والله يعلم ما حدث، وما سيحدث، وما كان سيحدث لو حدث غيره. أنت ترى صفحة، والله يعلم الكتاب كله.
ولهذا قد لا تحتاج دائمًا إلى أن تعرف لماذا حدث الشيء حتى تطمئن، يكفي أحيانًا أن تعرف من الذي قدّره.
بين السعي والرضا
الرضا لا يعني أن تتوقف عن المحاولة. تسعى للرزق، تتعلم، تتعالج، تصلح أخطاءك، تعتذر لمن أخطأت بحقه، وتطرق الأبواب التي تستطيع طرقها. لكن بعد أن تفعل ما تستطيع، لا تجعل قلبك معلقًا بأن تأتي النتيجة كما رسمتها.
فالإنسان يملك السعي، ولا يملك الغيب. وهذه من أجمل معاني التوكل: أن تبذل جهدك دون أن تحمل نفسك مسؤولية كل النتائج. أن تقول: “سأفعل ما أستطيع، وأترك ما لا أستطيع لله”.
حين يتغير السؤال
ربما يبدأ التعافي الحقيقي عندما تتغير الأسئلة:
وبدل أن تقضي عمرك تبحث عن تفسير لكل شيء، تتعلم أن تعيش مع بعض الأشياء دون إجابة كاملة. وهذا ليس ضعفًا، بل نضج. لأن الإنسان لا يستطيع أن يفهم كل شيء، ولا يستطيع أن يسيطر على كل شيء، ولا يحتاج إلى ذلك حتى يعيش مطمئنًا.
بعض الأقدار لا نفهمها… لكن يمكننا أن نطمئن إليها
قد تمر سنوات قبل أن تفهم لماذا أُغلق باب. وقد تعرف بعد وقت لماذا تأخر أمر كنت تستعجله. وقد تكتشف أن شيئًا كنت تظنه خسارة كان يحمل لك خيرًا لم تره في وقته. وقد لا تعرف السبب أبدًا.
وفي كل الأحوال… يبقى الإيمان أوسع من قدرتنا على الفهم:
- قد لا تعرف الحكمة، لكنك تعرف الحكيم.
- قد لا تعرف الطريق، لكنك تعرف من بيده الطريق.
- قد لا ترى الخير الآن، لكنك تثق أن الله لا يقدّر عبثًا.
وهنا يصبح الرضا شيئًا مختلفًا عن مجرد «التقبل». التقبل يقول: هذا هو الواقع، وسأتعامل معه. أما الرضا بالله فيحمل معنى أعمق: هذا ما قدّره الله، وأنا أثق بحكمته، وإن كان يؤلمني.
وربما لهذا كان الرضا راحة
لأنك حين ترضى، لا تعود مطالبًا بأن تفهم كل شيء، ولا بأن تتحكم بكل شيء، ولا بأن تعيد الماضي، ولا بأن تضمن المستقبل. تفعل ما عليك، وتترك ما ليس لك، وتقول: قدر الله وما شاء فعل، ثم تمضي. ليس لأنك لم تتألم، بل لأنك لم تعد تريد أن تجعل الألم يأخذ منك بقية عمرك.
قد لا تستطيع أن تختار كل ما يحدث لك، لكن يمكنك أن تختار ألا تجعل كل ما يحدث لك يسكن في قلبك على هيئة اعتراض. ابكِ إن احتجت، احزن، تعب، تحدث، اسأل، خذ بالأسباب… لكن لا تجعل ما فقدته يجعلك تفقد ثقتك بالله.
فربما كان الشيء الذي كنت تظنه نهاية، مجرد فصل لم تكن قد وصلت بعد إلى الصفحة التي تشرح معناه.
مَنْ رَضِيَ بِقَدَرِ اللهِ أَرْضَاهُ اللهُ جَمِيعَ أَقْدَارِهِ.
ليس معنى ذلك أن الحياة ستصبح بلا ألم، بل أن قلبك لن يعود يطلب من الحياة أن تكون كاملة حتى يكون مطمئنًا. سيعرف أن فيها ما يحب وما يكره، وأن وراء الاثنين ربًّا حكيمًا رحيمًا. فإذا لم تفهم القدر، فثق بصاحب القدر.
وربما تكون الطمأنينة التي تبحث عنها منذ زمن… ليست في أن تحصل على كل ما تمنيت، بل في أن تصل إلى مرحلة تقول فيها بصدق:
«يا رب، إنّي لا أعلم… وأنت تعلم. فاختر لي، وأرضني باختيارك»





