[عبس: 20]
تأتي هذه الآية في سياق تذكير الإنسان بنعم الله عليه؛ خلقه وقدّره، ثم يسّر له السبيل.
وذكر المفسرون في معنى السبيل أكثر من قول؛ فمنهم من فسّره بالطريق الذي يسّره الله للإنسان في خروجه من بطن أمه، ومنهم من ذكر هدايته إلى طريق الخير والشر وبيانه له. ويدخل في المعنى ما ذكره السعدي من تيسير الأسباب الدينية والدنيوية وهداية الإنسان إلى السبيل.
وتوقفت هنا عند كلمة: ﴿يَسَّرَهُ﴾.. لأن الإنسان كثيرًا ما يريد أن يرى الطريق كاملًا قبل أن يبدأ.
نريد أن نعرف الخطوة الأولى والثانية والعاشرة، ونريد أن نطمئن إلى النهاية قبل أن نتحرك.. لكن الإنسان لا يعيش حياته بهذه الصورة، وأحيانًا لا يتضح له الطريق إلا بعد أن يبدأ بالسير.
امتداد نفسي: الخوف من البداية وغموض الطريق
عندما نواجه أمرًا كبيرًا وغير واضح، قد يبدو لنا أثقل مما هو عليه فعلًا. العقل يميل إلى التعامل مع الشيء الغامض على أنه مشكلة تحتاج إلى حل كامل، فنبدأ بالتفكير في كل الاحتمالات دفعة واحدة:
- ماذا لو لم أنجح؟
- ماذا لو لم أستطع الاستمرار؟
- ماذا لو ضاع وقتي؟
- ماذا لو اكتشفت أنني اخترت الطريق الخطأ؟
وهنا قد يتحول التفكير في البداية إلى سبب يمنع البداية أصلًا.
وهذا امتدادٌ مباشر لما يُدرس نفسيًا تحت مفهوم عدم تحمّل الغموض (Intolerance of Uncertainty)؛ فبعض الناس يجدون صعوبة أكبر في التعامل مع عدم معرفة ما سيحدث، فيبحثون عن يقين كامل قبل اتخاذ الخطوة. لكن المشكلة أن اليقين الكامل غالبًا غير موجود.
تقسيم المهمة إلى خطوات صغيرة
ولهذا قد يكون التعامل الأفضل مع المهمة أن نصغّرها. بدل أن تقول: «كيف سأصل؟»، قل: «ما الخطوة التي أستطيع فعلها الآن؟»
الخطوة الصغيرة لا تحل الطريق كله، لكنها تجعله أوضح وأقرب للتعامل معه. ومع كل خطوة، تحصل على معلومات جديدة لم تكن تملكها وأنت واقف مكانك:
- تبدأ في طلب العلم، فتكتشف ماذا تحتاج أن تتعلم بعد ذلك.
- تبدأ مشروعًا، فتظهر لك مشكلات لم تكن تراها أثناء التخطيط.
- تبدأ الكتابة، فتكتشف أسلوبك مع الوقت.
- تبدأ في إصلاح نفسك، فتلاحظ أشياء لم تكن منتبهًا لها.
البداية تكشف لك أشياء لا تستطيع الخطة وحدها أن تكشفها.
سعة مفهوم «التيسير»
وهنا يصبح معنى التيسير أوسع في شعورك بالحياة. فالتيسير ليس بالضرورة أن تجد الطريق أمامك مرتبًا وخاليًا من العقبات؛ قد يكون:
- أن يُفتح لك ما تحتاجه في وقته.
- أن تتعلم من تجربة لم تكن تتوقعها.
- أن تلتقي بمن يعينك.
- أن يُصرف عنك طريق كنت تظنه خيرًا.
- أن يمنحك الله قدرة لم تكن تعرف أنها موجودة فيك.
ولهذا لا يشترط أن يكون الطريق واضحًا كله حتى تبدأ. قد تعرف الخطوة الأولى فقط.. وهذا يكفي.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[العنكبوت: 69]
فالهداية والتيسير من الله، والسعي من العبد. خذ بالأسباب التي أمامك، واستعن بالله، ثم امضِ. ولا تجعل خوفك من المجهول يجعلك تنتظر يقينًا لن يأتي.
- فأنت لا تعرف كل الأبواب التي ستفتح لك بعد الخطوة الأولى.
- ولا تعرف الأشياء التي ستتعلمها.
- ولا تعرف حتى القدرات التي قد تكتشفها في نفسك بعد أن تبدأ.
وربما كنت تقول: «أنا ما أعرف وش أسوي».. ثم بدأت… فعرفت.
وربما قلت: «أنا ما أقدر».. ثم حاولت… فاكتشفت أنك تستطيع أكثر مما كنت تظن.
وربما انتظرت الفرصة طويلًا، ثم اكتشفت أن بعض الفرص لا تظهر إلا بعد أن تبدأ بالسعي.
وهنا أتأمل قوله تعالى:
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾
ليس المطلوب منك أن تحمل الطريق كله دفعة واحدة. خذ الخطوة التي أمامك، وادعُ الله، واستعن به، ثم انظر ماذا يفتح لك بعد ذلك.
فلا يشترط أن ترى النهاية كي تبدأ.. يكفي أن تعرف الخطوة القادمة.
ثم امضِ… فقد تكون الخطوة التي أخذتها وأنت لا تعرف أين ستوصلك، هي نفسها التي فتحت لك بابًا لم يكن في حسابك.





