ماذا لو كنتَ وحدك على الحق؟
ماذا لو وجدتَ نفسك يومًا وحدك، بينما كل من حولك يرون الأمر بطريقة مختلفة؟
ماذا لو كنت تؤمن بشيء، لكن كثرة من حولك جعلتك تسأل نفسك: هل يمكن أن أكون أنا المخطئ؟
وماذا لو لم يكن أصعب ما في التمسك بالحق أن تعرفه، بل أن تتمسك به حين لا ترى أحدًا من حولك يفعل الشيء نفسه؟
توقفت عند هذا المعنى وأنا أقرأ قصة أصحاب الكهف.
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾
لفتتني كلمة ﴿فِتْيَةٌ﴾.. شباب. لم يكونوا أصحاب سلطة، ولا أصحاب نفوذ، ولا جماعة كبيرة تستطيع أن تغيّر ما حولها بالقوة. كانوا فتية آمنوا بربهم، وهذا وحده كان كافيًا لأن يجعلهم يرون ما حولهم بطريقة مختلفة.
كانوا يعيشون في بيئة لا توافق إيمانهم، ولم يكن الأمر مجرد اختلاف في الرأي يمكن تجاوزه، بل شيء يمسّ ما تؤمنون به.
فماذا يفعل الإنسان حين يصبح المكان الذي يعيش فيه مؤذيًا لإيمانه؟ هل يبقى فقط لأنه اعتاد البقاء؟ هل ينسجم مع من حوله حتى لا يشعر بالغربة؟ أم يختار ما يراه حقًا، ولو كان ثمن ذلك أن يمشي وحده؟
أصحاب الكهف اختاروا.
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾
خرجوا. تركوا المكان الذي اعتادوه، وابتعدوا عن الناس الذين كانوا بينهم، واتجهوا إلى كهف لا يعرفون ماذا سيحدث لهم فيه. ولم يكن معهم وعدٌ بأن الأمور ستكون سهلة، لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا: أن البقاء في المكان الذي يضرّهم ليس هو الخيار الصحيح.
وهذا المعنى ليس بعيدًا عنا كما قد نظن. قد تعرف أن صحبة معينة تغيّرك، وقد تعرف أن بيئة ما تسحبك إلى ما لا تريد، وقد تلاحظ أن عادة تكررها كل يوم تستهلكك أكثر مما تنفعك، وقد ترى أن محتوى تتابعه باستمرار بدأ يغيّر طريقة تفكيرك، ومع ذلك تستمر فيه؛ لأن الجميع يفعلون ذلك.
وأحيانًا لا يكون السبب أنك مقتنع بما تفعل، بل لأنك لا تريد أن تكون مختلفًا.
نقول لأنفسنا: «الجميع يفعلون ذلك»، «ربما أنا أبالغ»، «ماذا سيقولون عني؟»، «لماذا أكون أنا المختلف؟»
وهنا تأتي مشكلة أخرى: أن كثرة الناس حولك قد تجعلك تخلط بين الانتشار والصواب. فإذا رأيت شيئًا يتكرر أمامك في كل مكان، قد يبدو لك طبيعيًا لمجرد أنك اعتدت رؤيته. وإذا رأيت الجميع يسيرون في اتجاه واحد، قد تشعر أن وقوفك في الاتجاه الآخر دليل على أنك مخطئ.
لكن أصحاب الكهف يعلّموننا أن السؤال الأهم ليس: كم شخصًا يفعل هذا؟ بل: هل هذا حق؟
فالحق لا يصبح حقًا لأن كثيرين اتبعوه، كما أن الإنسان لا يصبح مخطئًا لمجرد أنه وقف وحده. ولهذا كان موقفهم يحتاج إلى ثبات. والثبات ليس دائمًا شعورًا بالقوة؛ أحيانًا تكون ثابتًا وأنت خائف، وأحيانًا تعرف أنك اخترت ما تراه صحيحًا، ومع ذلك تشعر بالوحدة. لكن الشعور بالوحدة لا يعني بالضرورة أنك في المكان الخطأ.
ثم انظر إلى ما وعدهم الله به:
هم لم يعرفوا ما الذي سيحدث بعد ذلك، لم يعرفوا كم سيبقون، ولم يعرفوا كيف ستكون نهايتهم. لكن الله كان يدبّر لهم أمرًا لم يكونوا يرونه.
ثم ناموا. ناموا سنوات طويلة، حتى إذا استيقظوا ظنوا أنهم لبثوا يومًا أو بعض يوم.
تخيّل أن تستيقظ فتجد أن العالم الذي تركته لم يعد كما كان، الأشياء التي ظننت أنك ابتعدت عنها إلى الأبد أصبحت جزءًا من الماضي، والزمن الذي لم تشعر بمروره صنع شيئًا كبيرًا دون أن تراه.
وهنا توقفت مرة أخرى؛ لأننا أحيانًا نفعل الشيء الصحيح، ثم نستعجل نتيجته. نترك عادة سيئة، ثم نتساءل: لماذا لم أشعر بالتغيير؟ نبدأ في التعلم، أو القراءة، أو حفظ القرآن، أو إصلاح أنفسنا، ثم ننظر إلى حياتنا ونقول: ما الذي تغيّر؟
وقد لا يكون الجواب ظاهرًا بعد؛ بعض الأشياء تنمو في الخفاء. لا ترى أثرها كل يوم، لكنها تتراكم. ولهذا ليس عليك أن ترى نتيجة كل خطوة صحيحة حتى تطمئن إلى أنك تمشي في الاتجاه الصحيح. أصحاب الكهف لم يروا ما حدث أثناء نومهم، لكن حين استيقظوا، كان العالم قد تغيّر.
والأجمل من ذلك أن الله لم يقل عنهم فقط: ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ بل قال بعدها: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، وكأن الإيمان الذي بدأ في قلوبهم لم يتوقف عند تلك اللحظة؛ زادهم الله هدى.
وهنا يظهر معنى أعمق في قصتهم: أن العبد قد يُبتلى في طريقه بالوحشة، لا لأنه على خطأ، ولكن ليمتحن صدق قلبه. فالقلوب تأنس بالخلق، وتستوحش من مخالفتهم، وقد يحملها خوف الغربة على التنازل عمّا كانت تعرفه من الحق.
ولهذا كان من أعظم ما يحتاج إليه العبد أن يكون أنسه بالله أعظم من أنسه بالخلق، وثقته به أقوى من ثقته بما في أيدي الناس.
أصحاب الكهف تركوا ما ألفته نفوسهم، وآووا إلى كهف ضيّق، فوسّع الله عليهم برحمته، وأبدلهم من وحشة الطريق سكينةً وحفظًا:
فليس كل ضيقٍ شرًّا، ولا كل وحشةٍ خذلانًا. قد يضيّق الله على عبده طريقًا ألفه، ليصرفه إلى طريقٍ أصلح له. وقد يبعده عن قومٍ كان يستمد منهم طمأنينته، ليعلّق قلبه بمن بيده الطمأنينة كلها. والعبد إذا صدق مع الله، لم يكن خروجه من شيءٍ لله خسارة، وإن بدا للناس كذلك.
ثم تأمل ختام حالهم:
﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾
فالهداية ليست أن تعرف الطريق فحسب، بل أن يثبّتك الله عليه كلما كثرت الطرق، وكلما تغيّرت الوجوه، وكلما دعاك الناس إلى الرجوع.
ولذلك، إذا وجدت نفسك يومًا غريبًا في طريق الحق، فلا تجعل وحشة الطريق سببًا في تركه. اسأل الله أن يثبت قلبك، وأن يزيدك هدى، وأن يجعل أنسك به يغنيك عن كل أنس.
فإن العبرة ليست أن يكون لك في الطريق كثير من الرفقاء…
بل أن يكون الله معك، وأن يكون قلبك معه.





