كيف يمكن لرجل أن يقضي عمره في الكتابة، ثم ينتهي به المطاف إلى إحراق ما كتبه بيديه؟
لم يكن أبو حيّان التوحيدي رجلًا عابرًا في تاريخ الأدب العربي؛ فقد أمضى سنوات من عمره بين الكتب، يقرأ ويجمع ويؤلف، حتى ترك وراءه مؤلفات بقي بعضها شاهدًا على سعة علمه وأدبه. لكن ما يجعل قصته غريبة ليس ما كتبه، بل ما فعله بكتبه؛ إذ تذكر المصادر أنه أحرق عددًا من مؤلفاته، في قرار يثير سؤالًا يصعب تجاهله: ما الذي يمكن أن يدفع إنسانًا إلى التخلّص من شيء أفنى عمره في بنائه؟
لفهم ذلك، لا بد أن نعود إلى حياة التوحيدي قبل الحريق، حين كانت الكتب جزءًا من يومه، وكانت المعرفة الطريق الذي اختاره ليصنع لنفسه مكانًا في عالم الأدب والفكر.
عاش التوحيدي في القرن الرابع الهجري، في زمن ازدهرت فيه حركة التأليف والمناظرات والمجالس العلمية، وعمل في الوراقة، وهي مهنة تتصل بنسخ الكتب وبيعها. كانت مهنته تضعه قريبًا من عالم المعرفة، لكنه لم يكتفِ بالعمل في الكتب؛ بل أصبح مؤلفًا يضيف إليها من علمه وملاحظاته، ويحوّل ما يقرؤه ويسمعه إلى نصوص تحمل بصمته الخاصة.
ومن هنا بدأت تتشكل ملامح الأديب الذي عرفناه لاحقًا. ففي كتابه «الإمتاع والمؤانسة» حفظ جانبًا من مجالس الأدب والفكر في عصره، وفي «المقابسات» دوّن مسائل وحوارات فلسفية، أما «البصائر والذخائر» فجمع فيه طائفة واسعة من الأخبار والأشعار والحكم. لم تكن هذه مجرد صفحات متفرقة، بل أعمالًا تكشف عن رجل قضى وقتًا طويلًا في جمع المعرفة وتأملها وصياغتها.
ومع ذلك، فإن كثرة ما يكتبه الإنسان لا تعني بالضرورة أنه سيحصل على الحياة التي يرجوها. فقد كان التوحيدي واسع المعرفة، لكنه عانى ضيق الحال والفقر، وسعى إلى التقرب من أصحاب النفوذ، آملًا أن يجد عندهم ما يعينه على العيش ويمنحه المكانة التي يطمح إليها.
ولم تكن علاقته بأصحاب السلطة مجرد علاقة طالب علم بمن يملك المال والمكانة؛ فقد عرف مجالسهم، واحتكّ ببعض رجالهم، ثم كتب في نقد عدد منهم. ومن أشهر أعماله في هذا الباب كتاب «أخلاق الوزيرين»، المعروف أيضًا باسم «مثالب الوزيرين»، الذي تناول فيه ابن العميد والصاحب بن عباد بنقد شديد. وهكذا عاش التوحيدي قريبًا من العالم الذي كان يشتكي منه، وعرف بعض وجوهه، ودوّن ما رآه فيه.
لكن السنوات مضت، ولم تتحقق له المكانة التي كان يرجوها على النحو الذي أراده. ومع تقدّم عمره، ازدادت شكواه من أحواله، وأصبح ما تركه من كتابة يقف إلى جانب ما شعر أنه فاته في حياته. ولا نستطيع أن نعرف مقدار ما شعر به من خيبة في كل مرحلة، لكن رسالته اللاحقة تكشف أن علاقته بالتأليف لم تكن منفصلة عن رغبته في أن يُعرف قدره بين الناس.
وهنا نصل إلى القرار الذي جعل سيرته واحدة من أكثر السير إثارة للأسئلة في تاريخ الأدب العربي.
أحرق أبو حيّان التوحيدي عددًا من كتبه، لكن الخبر وحده لا يخبرنا بما يكفي؛ إذ يمكننا أن نتساءل عن فعله، لكننا لا نستطيع أن نعرف دوافعه من مجرد وقوعه. وقد وصلتنا رسالة كتبها التوحيدي بنفسه دفاعًا عن قراره، نقلها ياقوت الحموي في «معجم الأدباء».
كان صديقه القاضي أبو سهل علي بن محمد قد عاتبه على إحراق كتبه، فكتب التوحيدي رسالة يشرح فيها موقفه. ومن خلالها، لم نعد أمام خبر عن أديب أحرق كتبه فحسب، بل أمام الرجل نفسه وهو يحاول أن يفسّر لماذا فعل ذلك.
في رسالته، تحدث التوحيدي عن العلم الذي جمعه في مؤلفاته، وذكر أنه ألّف كثيرًا منها طمعًا في المكانة والجاه والرياسة، لكنه لم ينل ما كان يأمله. لقد أمضى سنوات في التأليف، وكان يرجو أن يكون لما يكتبه أثر في حياته، لكنه شعر أن ما بذله لم يحقق له ما انتظره منه.
ولم تتوقف شكواه عند ما لم يحصل عليه في حياته؛ فقد انشغل أيضًا بما قد يحدث لكتبه بعد موته. خشي أن تصل إلى أيدٍ لا تعرف قدرها، وأن تُتخذ أخطاؤه مدخلًا للطعن فيه. وبذلك لم يعد مصير الكتب بالنسبة إليه متعلقًا ببقائها وحده، بل بمن سيقرؤها، وكيف سيتعامل معها بعد رحيله.
وتحدث كذلك عن فقد أشخاص مقرّبين منه، وعن تقدّم العمر والموت وفناء الدنيا، وتأمل في قيمة العلم حين لا يقترن بالعمل. وهكذا اجتمعت في رسالته شكوى من الحياة والناس، وخوف على مصير مؤلفاته، وتأمل في العلم والعمل والموت.
لهذا لا يصح أن نختصر الحكاية في أنه أحرق كتبه لأنه كان فقيرًا، أو لأنه لم يجد من يقدّره. فهذه جوانب من تجربته، لكنها لا تستوعب كل ما ذكره في رسالته. والأدق أن نقول إنه قدّم مجموعة من الأسباب التي رأى أنها تفسر قراره، من دون أن نملك ما يكفي للجزم بأيها كان العامل الحاسم.
وقد استشهد التوحيدي في دفاعه بأمثلة لبعض العلماء والعبّاد الذين نُقل عنهم التخلّص من كتبهم، ذاكرًا أسماء مثل أبي عمرو بن العلاء وداود الطائي وسفيان الثوري. كان ذلك جزءًا من حجته، لكنه لا يعني بالضرورة أن دوافعه كانت مطابقة لدوافع أولئك الذين ذكرهم.
وبعد أن نقرأ دفاعه، قد نظن أن الحكاية انتهت عند هذا الحد؛ رجل ألّف، ثم أحرق بعض مؤلفاته، ثم كتب رسالة يشرح فيها موقفه. لكن ما حدث لكتبه بعد ذلك يضيف إلى قصته مفارقة أخرى.
فقد وصلت إلينا مؤلفات مهمة للتوحيدي، من بينها «الإمتاع والمؤانسة» و«المقابسات» و«البصائر والذخائر»، وظل اسمه حاضرًا في كتب التراجم وتاريخ الأدب. أما ما أُحرق من كتبه، فلا نعرف على وجه الدقة كل ما كان يحتويه، ولا الأفكار التي فُقدت معه. وبين ما نجا وما ضاع، بقي جزء من عالمه الفكري متاحًا لنا، بينما ظل الجزء الآخر سؤالًا مفتوحًا لا يمكننا الإجابة عنه.
لا نعرف كيف كان التوحيدي سينظر إلى هذا المصير لو رآه اليوم، ولا نستطيع أن نفترض أنه كان سيندم على قراره أو يراه صائبًا. لكننا نعرف أن بعض كتبه نجا، وأن بعضها فُقد، وأن الحكاية التي أحاطت بها بقيت محفوظة في المصادر التي نقلت أخباره.
وهكذا، لم تنتهِ قصة أبي حيّان التوحيدي حين أُحرقت كتبه؛ بل بدأت منها حكاية أخرى. حكاية رجل حاول أن يقرر بنفسه ما الذي يستحق أن يبقى من عمله، لكن الزمن احتفظ ببعض ما أراد إتلافه، واحتفظ أيضًا بخبر إتلافه لما لم يبقَ.
وبعد قرون طويلة، ما زلنا نقرأ ما كتبه، ونتساءل عن الكتب التي لم تصل إلينا، ونعود إلى رسالته لنفهم قراره. وربما كانت أكثر مفارقات قصته إثارة للتأمل أن الرجل الذي انشغل بمصير كلماته بعد موته، أصبح مصير كلماته نفسه واحدًا من الأسئلة التي بقيت حيّة بعد رحيله.





