عمّار بن ياسر رضي الله عنه… حين ينتصر القلب على العذاب
من أعجب ما تقرؤه في سير الصحابة أن ترى إنسانًا يُسلب منه كل شيء، ويبقى الإيمان في قلبه ثابتًا لا يتزعزع.
عمّار بن ياسر رضي الله عنه ليس مجرد صحابي من السابقين إلى الإسلام، بل هو قصة إنسان ذاق من البلاء ما لم يذقه كثيرون، حتى أصبح رمزًا للصبر والثبات، ودليلًا على أن الإيمان الحقيقي لا يظهر عند الرخاء، بل حين تشتد المحن.
البدايات في مكة وعذاب آل ياسر
كانت مكة في بداية الدعوة الإسلامية تعيش مرحلة عصيبة؛ المسلمون قلة، والدعوة ما زالت في بداياتها، وقريش ترى في الإسلام خطرًا على مكانتها، فكانت تواجه كل من آمن بأشد أنواع التعذيب والإيذاء.
وفي تلك الأيام، قدم ياسر بن عامر من اليمن إلى مكة يبحث عن أخويه الحارث ومالك، ثم استقر فيها، وحالف بني مخزوم، وتزوج سمية بنت خياط رضي الله عنها، فرُزقا بابنهما عمّار. ولم تكن لهذه الأسرة قبيلة قوية تحميها، فكانت من أكثر الأسر تعرضًا لأذى قريش بعد إسلامها.
وحين بدأ النبي ﷺ يدعو الناس سرًا، دخل عمّار دار الأرقم، فاستمع إلى القرآن لأول مرة، فلم يلبث أن شرح الله صدره للإسلام، فأسلم من فوره. ثم أسلم أبوه ياسر، وأمه سمية رضي الله عنهما، فكانت هذه الأسرة من أوائل الأسر التي دخلت الإسلام.
لكن الإيمان يومها لم يكن طريقًا سهلًا، بل كان بداية رحلة طويلة من البلاء.
أخرجت قريش آل ياسر إلى رمضاء مكة في شدة الحر، ووضعت الصخور على أجسادهم، وعذبتهم بالسياط؛ لتجبرهم على ترك دينهم.
وكان رسول الله ﷺ يمر بهم، فيرى ما يلقونه من العذاب، فيواسيهم بقوله:
«صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.»
كانت كلمات قليلة، لكنها ملأت قلوبهم يقينًا، وربطت أبصارهم بما أعده الله للصابرين.
وظلت سمية رضي الله عنها ثابتة حتى قتلها أبو جهل، فكانت أول شهيدة في الإسلام. أما ياسر رضي الله عنه، فقد لقي من الأذى والبلاء ما لقي حتى توفي بعد ذلك، وبقي عمّار يواجه التعذيب وقد فقد أباه وأمه.
الابتلاء بالإكراه ونزول التثبيت الإلهي
واشتد عليه البلاء حتى أكرهه المشركون على أن ينطق بكلمة الكفر، وأن يذكر آلهتهم بخير، فلم يفعل ذلك إلا تحت الإكراه.
ثم خرج إلى رسول الله ﷺ وهو يبكي، فقال: «يا رسول الله، هلكت.»
فسأله النبي ﷺ: «كيف تجد قلبك؟» قال: «مطمئنًا بالإيمان.» فقال ﷺ: «فإن عادوا فعد.»
فأنزل الله تعالى:
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾
[النحل: 106]
فكانت هذه الآية رحمةً من الله، وتثبيتًا لكل من أُكره على كلمةٍ وقلبه ثابت على الإيمان.
الهجرة، وبناء المسجد، والنبوءة الخالدة
ثم هاجر عمّار رضي الله عنه إلى المدينة، وشهد بدرًا، وأحدًا، والخندق، وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ، وكان من أكثر الصحابة اجتهادًا في خدمة الإسلام.
ولما بُني المسجد النبوي، كان عمّار يحمل لبنتين في كل مرة، بينما يحمل غيره لبنةً واحدة، لما عُرف عنه من قوة واجتهاد في خدمة الإسلام. فرآه النبي ﷺ وقد غطى التراب جسده، فجعل يمسح التراب عنه بيده الشريفة، ثم قال:
«ويح ابن سمية، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار.»
لم يكن هذا الحديث مجرد إخبارٍ بطريقة وفاة عمّار، بل كان نبوءةً من رسول الله ﷺ، وشهادةً له بأنه سيبقى ثابتًا على الحق، يدعو الناس إلى الخير حتى آخر لحظة من حياته. أما قوله ﷺ: «تقتله الفئة الباغية»، فمعناه أن عمّارًا سيُقتل على يد فئةٍ باغية، أي متجاوزةٍ للحق في تلك الواقعة. ولم يكن الصحابة يعلمون متى سيقع ذلك، فحفظوا هذا الحديث في صدورهم سنوات طويلة.
وكان النبي ﷺ يقول أيضًا في فضله:
«إن عمارًا مُلِئ إيمانًا إلى مُشاشه.»
استشهاده في صفين وأثره الخالد
ثم مضت السنوات، وتوفي رسول الله ﷺ، ووقعت الفتنة بين المسلمين بعد مقتل عثمان رضي الله عنه. وفي سنة 37 هـ، خرج عمّار مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في معركة صفين، وكان شيخًا كبيرًا قد جاوز التسعين من عمره، لكنه لم يتأخر عن القتال فيما كان يراه حقًا. وهناك استشهد عمّار رضي الله عنه، فتذكر الصحابة حديث النبي ﷺ، ورأوا أنه قد تحقق كما أخبر، وبقيت قصته شاهدًا على صدق نبوته ﷺ، وعلى المكانة العظيمة التي بلغها عمّار بثباته وإيمانه.
دروس في الثبات ويقين القلب
لم تكن عظمة عمّار رضي الله عنه في كثرة الغزوات التي شهدها، ولا في منصبٍ تولاه، وإنما في قلبٍ بقي ثابتًا رغم كل ما مر به.
قُتلت أمه، وفقد أباه، وعُذِّب في جسده، وأُكره على كلمةٍ لم يرضها قلبه، ومع ذلك شهد له رسول الله ﷺ بأن الإيمان قد ملأ قلبه.
إن قصة عمّار تعلمنا أن الثبات لا يعني ألا نتألم، ولا أن تخلو حياتنا من الابتلاء، وإنما أن يبقى القلب متعلقًا بالله مهما اشتدت الظروف. فقد يُرهق الجسد، وتدمع العين، ويضيق الطريق، لكن القلب إذا امتلأ يقينًا بالله، فلن يستطيع شيء أن ينتزع منه الإيمان.
ويبقى سؤال عمّار حاضرًا في حياة كل واحدٍ منا:
- حين يشتد عليك البلاء، أو تضيق بك الحياة، ما الذي يبقي قلبك ثابتًا؟
- وهل تعلقت بوعود الله كما تعلق بها عمّار رضي الله عنه، حتى لا تهزمك الدنيا مهما اشتدت؟
📚 المصادر والمراجع:
- • القرآن الكريم: سورة النحل، الآية (106).
- • صحيح البخاري: حديث بناء المسجد، وحديث «ويح عمار تقتله الفئة الباغية».
- • صحيح مسلم: حديث «تقتل عمارًا الفئة الباغية».
- • مسند الإمام أحمد: حديث «إن عمارًا مُلِئ إيمانًا إلى مُشاشه».
- • السيرة النبوية لابن هشام.
- • البداية والنهاية لابن كثير.
- • الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني.
- • سير أعلام النبلاء، للذهبي.





