حين أنزل الله آية… فتراجع معقل بن يسار عن قسمٍ أقسمه في لحظة غضب
قد يخطئ الإنسان، فيندم. وقد يغضب، فيظن أن غضبه هو الحق. لكن ماذا لو اجتمع الندم والغضب في قصة واحدة؟ ومن الذي يفصل بينهما؟
هذه واحدة من المواقف التي خلدها القرآن، لا لأنها تتحدث عن طلاق وزواج، بل لأنها تكشف كيف يصنع الوحي العدل، حين تختلط المشاعر بالقرارات.
تفاصيل القصة والموقف
كان معقل بن يسار المزني رضي الله عنه قد زوّج أخته جميلة بنت يسار رضي الله عنها من الصحابي أبي البداح بن عاصم رضي الله عنه. ولم تمضِ الأيام كما تمنوا، فوقع الطلاق، وانتهت عدة جميلة، وعادت إلى بيت أخيها.
رأى معقل ما أصاب أخته من ألم، وتأثر لما حدث لها، وأغلق في نفسه باب التفكير في رجوعها إلى زوجها مرة أخرى.
أما أبو البداح، فلم يطل به الأمر حتى أدرك أنه تسرع في قراره، وأنه لا يزال يرغب في زوجته، وكانت جميلة أيضًا ترغب في العودة إليه. فقرر أن يذهب إلى معقل، ويطلب منه أن يزوجه أخته من جديد.
لم يكن الطلب سهلًا؛ وقف أبو البداح أمام معقل، وهو يعلم أنه سيواجه أخًا ما زال يحمل في قلبه أثر ما حدث. وما إن سمع معقل طلبه، حتى أجابه بما رواه أهل العلم:
«زوجتك وفرشتك وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها؟! والله لا تعود إليك أبدًا.»
لم يكن معقل يقصد ظلم أخته، ولم يكن يريد أن يمنعها حقًا من حقوقها، وإنما كان يرى أن في رفضه حفظًا لكرامتها، وأن الرجل الذي فرّط بها مرة قد يفرّط بها مرة أخرى. كان هذا اجتهاده.
نزول الوحي واستجابة الصحابي
لكن الوحي جاء ليضع الميزان الذي تُوزن به المواقف، بعيدًا عن الغضب والعاطفة. فأنزل الله تعالى قوله:
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِك يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 232]
فلما بلغ معقل حكم الله، لم يحاول أن يبرر موقفه، ولم يقل إن نيته كانت حسنة، ولم يتمسك بقسمٍ خرج منه في لحظة غضب. بل قال للنبي ﷺ:
«الآن أفعل يا رسول الله.»
ثم كفّر عن يمينه، وزوّج أخته من أبي البداح مرة أخرى.
دروس من الشخصيات
كلما تأملت هذه القصة، وجدت أن كل شخصية فيها تحمل درسًا مختلفًا:
أبو البداح رضي الله عنه: يذكرنا بأن الإنسان قد يخطئ، لكن الخطأ لا يعني أن أبواب الإصلاح قد أغلقت. قد يندم على قرار اتخذه، ويسعى بصدق إلى إصلاح ما أفسده، والإسلام لا يمنع ذلك إذا كان قائمًا على المعروف والرضا.
معقل رضي الله عنه: يعلّمنا أن حسن النية وحده لا يكفي. فقد كان يريد الخير لأخته، وكان دافعه الغيرة عليها، لكن حين تبين له حكم الله، لم يجعل كبرياءه يمنعه من الرجوع، ولم يرَ في التراجع انتقاصًا من مكانته، بل رأى أن الشرف الحقيقي هو أن يتبع الحق إذا ظهر له.
جميلة بنت يسار رضي الله عنها: جاءت الآية لتحفظ حقها، وتقرر أن رضاها معتبر، وأنه لا يجوز للولي أن يمنعها من الزواج إذا تراضى الطرفان بالمعروف. فالولاية في الإسلام ليست تسلطًا، وإنما أمانة لحفظ الحقوق وتحقيق المصالح.
ميزان العدل الإلهي
ولعل هذا هو أجمل ما في هذه القصة؛ فالقرآن لم ينحز إلى غضب الأخ، ولم يتجاهل ندم الزوج، ولم يُهمِل رغبة المرأة، بل أعطى كل طرف حقه، وجعل المرجع الأعلى هو شرع الله.
ولهذا بقيت هذه الحادثة تُتلى في كتاب الله إلى يوم القيامة، لتذكرنا أن الإنسان قد يغضب فيجتهد، وقد يخطئ فيندم، لكن المؤمن الصادق هو الذي إذا تبين له حكم الله، لم يجعل العاطفة، ولا الكرامة، ولا الكبرياء، تقف بينه وبين الحق.
ولعل أعظم ما خلدته هذه القصة، ليس رجوع زوج إلى زوجته، بل رجوع القلوب جميعًا إلى حكم الله؛ زوجٍ اعترف بخطئه، وأخٍ رجع عن اجتهاده، وامرأةٍ صان الله حقها، فاستقام ميزان العدل كما أراده سبحانه.





