مشورة المرأة في الإسلام: بين الموروث الثقافي والنص الشرعي
تتكرر على الألسنة عبارة: "لا تشاور امرأة" حتى ظن بعض الناس أنها مبدأ شرعي أو حكمة إسلامية، مع أن المتأمل في القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي يجد صورة مختلفة تمامًا.
أولًا: الشورى في القرآن الكريم
المتأمل في كتاب الله يجد أن الشورى مبدأ إنساني يُحمد عليه الإنسان رجلاً كان أو امرأة. فقد جعل الله الشورى بين الزوجين أساساً في أدق التفاصيل الأسرية، فقال سبحانه في شأن الفطام:
﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾
[البقرة: 233]
ولم يكتَفِ القرآن بالجانب الأسري، بل خلد ذكر امرأة أدارت أزمة سياسية وعسكرية مع قومها بكل رجاحة عقل، وهي بلقيس ملكة سبأ، حين قالت لقومها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَطِيعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾، فأثنى القرآن على حسن تدبيرها الذي أنقذ قومها من الهلاك.
ثانيًا: موقف النبي ﷺ ومشورة أم سلمة
في أصعب اللحظات التاريخية التي مرت بها الدولة الإسلامية، كان لرأي المرأة حضور فاصل في توجيه الأحداث. ففي صلح الحديبية (سنة 6 هـ)، لما كتب النبي ﷺ الصلح وأمر أصحابه بالنحر والحلق، شق ذلك عليهم لشدة حزنهم ورغبتهم في دخول مكة، فلم يقم منهم أحد رغم إعادته الأمر ثلاث مرات.
فدخل النبي ﷺ على أم سلمة رضي الله عنها مكروبًا وذكر لها ما لقي من الناس، فما كان منها إلا أن أشارت عليه بمشورة سديدة دلت على عمق فقهها ونظرها، فقالت:
«يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلّم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدنك، وتدعو حلاقك فيحلقك.»
فخرج النبي ﷺ وفعل ما أشارت به، فلما رآه الصحابة قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق لبعض. فكانت مشورة أم سلمة رضي الله عنها سبباً في رفع الأزمة وحماية المسلمين من المخالفة.
ثالثًا: الأحاديث الشائعة في النهي عن مشورة النساء
أما المرويات التي يتناقلها البعض في النهي عن مشورتهن، كعبارة: "شاوروهن وخالفوهن" أو "خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة"، فقد نص جهابذة أهل العلم والنقاد على أنها أحاديث باطلة ولا صحة لها عن النبي ﷺ:
- ضعّفها وأبطلها الحفاظ كالإمام السخاوي، والسيوطي، والعجلوني، وبينوا أنها لا أصل لها مرفوعاً إلى النبي ﷺ.
- المعيار الأساسي في الشورى هو العقل، والحكمة، والخبرة بالمسألة المطروحة، وهذه صفات مقترنة بوجودها لا بجنس صاحبها.
رابعًا: تطبيقات من عهد الصحابة والتابعين
ولم تكن هذه الحادثة فريدة من نوعها، بل استمر العمل بمبدأ الاستفادة من عقول النساء الرشيدات في عهد الصحابة:
- كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم الشفاء بنت عبد الله في الرأي، ويستشيرها في أمور السوق والتجارة لرجاحة عقلها.
- كان كبار الصحابة يرجعون إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في الفقه، والدين، والطب، والأنساب، ويأخذون بفتواها ورأيها.
إن حصر المشورة في جنس معين يضاد المنطق السليم قبل النص الشرعي؛ فالرأي السديد يخرج من الفكر النير والخبرة العميقة، والمرأة كانت وما زالت شريكاً أساسياً في بناء الفكر واتخاذ القرار.
📚 المصادر والمراجع:
- • القرآن الكريم: سورة البقرة (الآية 233)، وسورة النمل.
- • صحيح البخاري: كتاب الشروط (باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب) - قصة صلح الحديبية ومشورة أم سلمة.
- • المقاصد الحسنة للإمام السخاوي (حديث: شاوروهن وخالفوهن).
- • كشف الخفاء ومزيل الألباس للإمام العجلوني.
- • سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي (ترجمة أم سلمة وعائشة والشفاء بنت عبد الله).
- • الأحكام السلطانية للإمام الماوردي.





